أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه














المزيد.....

الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8579 - 2026 / 1 / 6 - 09:47
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس تأسيس الجيوش حدثًا إداريًا يُؤرَّخ في دفاتر الدولة، بل لحظة وعيٍ كبرى يولد فيها الوطن مسلّحًا بالمعنى قبل البندقية، وبالانتماء قبل الزيّ العسكري. هكذا وُلد الجيش العراقي، لا كقوةٍ للبطش، بل كضرورةٍ وجودية لوطنٍ خرج من رماد القرون، وتقدّم نحو القرن العشرين وهو يحمل في ذاكرته سقوط بغداد عام 1258، ذلك الجرح الذي لم يندمل في الوعي الجمعي، وظلّ يذكّر العراقيين بأن الدولة بلا جيش حقيقي جسدٌ مكشوف أمام السكاكين.في السادس من كانون الثاني/يناير 1921، تشكّل الفوج الأول من الجيش العراقي، قبل أن تكتمل ملامح المملكة نفسها، وكأن التاريخ أراد أن يقول إن السيف يسبق التاج، وإن السيادة لا تُعلَن بخطابٍ سياسي بل تُحمى بخطوة جندي على التراب. لم يكن ذلك التأسيس بريئًا من التناقضات ولا خاليًا من الرموز الملتبسة، فقد رافقته تسميات واختيارات عكست تشابك الدين والسياسة والهوية في لحظةٍ انتقالية معقّدة، لكن الجيش، بوصفه مؤسسة، سرعان ما تجاوز الأسماء ليصنع اسمه الحقيقي في الميدان، حيث تُمحى اللافتات ويبقى الفعل.كبر الجيش العراقي كما تكبر الأشجار في أرضٍ قاسية، جذوره في دجلة والفرات، وأغصانه تمتدّ حيثما نادت فكرة العروبة والدفاع عن الكرامة. لم يكن جيش حدودٍ ضيّقة، بل جيش عقيدة قومية، حمل بندقيته إلى فلسطين عام 1948، وترك شهداءه هناك بلا ضجيج، ثم عاد ليقف في مصر وسوريا والأردن، لا بوصفه ضيفًا، بل كجزءٍ من جسدٍ عربي واحد يتألّم في موضعٍ فيرتجف في موضعٍ آخر. كان الجندي العراقي يعرف أن معركته لا تُقاس بالخرائط، بل بما تحمله القضية من معنى، وأن الخسارة الحقيقية ليست في تراجعٍ تكتيكي، بل في التخلّي عن الواجب.وحين جاءت الحروب الكبرى، وجد الجيش نفسه في قلب الإعصار، يقاتل دفاعًا عن أرضه وسيادته في معاركٍ مصيرية، كانت أقساها تلك التي سُمّيت بالقادسية الثانية، حيث تحوّل الصراع إلى امتحانٍ للوجود، لا نصر فيه بلا أثمانٍ باهظة. هناك، في الخنادق المحترقة، لم يكن الجندي يفكّر بالأيديولوجيا بقدر ما كان يفكّر بالبيت البعيد، بالأم التي تنتظر، وبالعلم الذي لا يجوز أن يسقط. انتصر الجيش عسكريًا في أكثر من مواجهة دفاعية، لكنه خرج مثقلاً بسموم السياسة، تلك التي لا تُطلق رصاصة لكنها تُسقط دولًا.وحين اجتمعت إرادات الخارج على كسر هذا الجيش، لم يكن الهدف إسقاط نظامٍ أو تغيير معادلة، بل تفريغ العراق من درعه الأخير. ثلاث وثلاثون دولة، بأشكالٍ مختلفة من التواطؤ أو الصمت، وجدت في حلّ الجيش لحظة انتقام تاريخي، فكان الاحتلال، وكان البيع العلني للوطن، وكانت الفوضى التي لبست ثوب الطائفية. سقط السور، فتدفّقت الرياح، وتحوّل العراقي من مواطنٍ تحميه الدولة إلى رقمٍ في نشرات الموت. غابت المؤسسة التي كانت تمسك البلاد من خاصرتها، فتكاثرت الميليشيات، وتحوّل الدم إلى لغة يومية.اليوم، يقف تاريخ الجيش العراقي كمرآةٍ موجعة. قادته بين سجونٍ ومنافي، وجنوده المتقاعدون يتقاسمون فتات معاشٍ لا يليق بسنوات النار، بينما يتقدّم المشهد سماسرة السياسة، ينهبون البلاد بلا رادع، متكئين على همرات الاحتلال، ومتدثّرين بخطابٍ لا يعرف من الوطنية إلا اسمها. المفارقة قاسية حدّ السخرية السوداء: من حمى السيادة يُعاقَب، ومن باعها يُكافَأ.
إن استعادة الجيش ليست حنينًا رومانسيًا إلى الماضي، بل ضرورة أخلاقية وسيادية. ليست دعوةً إلى عسكرة الدولة، بل إلى إعادة التوازن، لأن الدولة التي لا تحترم جيشها لا تحترم نفسها. إعادة الهيبة تبدأ من الاعتراف، وإعادة التقاعد حقّ قبل أن يكون منّة، وإعادة الاعتبار ليست شعارًا بل مشروع دولة. الجيش العراقي لم يكن يومًا عدوًّا لشعبه، بل كان، في جوهره، ابنه البارّ، وحين انكسر، انكسر الوطن معه.عاش الجيش العراقي بما هو فكرة قبل أن يكون سلاحًا، وعاش العراق بما هو معنى لا يُختزل في سلطة، وليسقط كل خائنٍ جعل من الوطن صفقة، وكل عميلٍ ظنّ أن الدبابات الأجنبية تصنع شرعية. فالأوطان، في النهاية، لا يحميها إلا أبناؤها، ولا يُعيد بناءها إلا من يؤمن أن الشرف لا يُستورد، وأن السيادة لا تُؤجَّر، وأن الجيش، حين يكون وطنيًا، يكون آخر ما يسقط… وأول ما يجب أن يعود.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...
- إيطاليا… حين تتكلّم الحضارة لغة الشعر


المزيد.....




- من ليبيا.. حقيقة الصورة المتداولة لـ-اشتعال مركبات الجيش الس ...
- ما هي قوات سوريا الديمقراطية (قسد) وما هو المستقبل الذي ينتظ ...
- الجيش السوري يقصف أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، والقوا ...
- الجيش السوري يقصف مراكز قسد شمال حلب.. والاشتباكات تجبر الآل ...
- لماذا تمَّ خَطْفُ مادورو؟
- فرنسا تعمل مع الحلفاء على خطة لصد استيلاء أمريكي محتمل على غ ...
- تجدد الاشتباكات في حلب بعد نزوح الآلاف من سكان حيين ذوي غالب ...
- سوريا: الجيش يبدأ قصف أحياء ذات غالبية كردية في حلب بعد نزوح ...
- خبير إستراتيجي: ساعات حاسمة لتحديد مصير حيي الشيخ مقصود والأ ...
- مصادر للجزيرة: ألوية العمالقة تسيطر على مطار عدن


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه