أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة














المزيد.....

سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 20:08
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن اعتقالُ الرئيس الذي ملأ الشاشات صراخًا ووعيدًا سوى لحظةٍ كاشفةٍ لجوهر السياسة حين تُنزَع عنها الأقنعة. رجلٌ كان يهدّد الولايات المتحدة في خطبه، ويتكئ على لغة الصدام بوصفها بديلًا عن الفعل، سقط سريعًا قبل أن يستقرّ الخبر في نشرات العاجل. لم يكن السقوط مفاجئًا بقدر ما كان منطقيًا؛ فالتاريخ لا يُسقِط الدول بضربةٍ واحدة، بل يتركها تتآكل من الداخل حتى تتداعى عند أول تماسّ مع الواقع. السلطة التي تبني خطابها على التهديد وحده، دون شبكة تحالفات صلبة أو اقتصادٍ قادرٍ على الصمود، تُراكم أسباب نهايتها وهي تظنّ أنها تؤسس لمجدٍ مؤجَّل.الفلسفة السياسية تعلّمنا أن التهديد لغةُ الضعيف حين يفتقد أدوات الردع الحقيقية. من يصرخ كثيرًا إنما يحاول تغطية فراغٍ عميق، ومن يلوّح بالحرب دون أن يمتلك شروطها، يوقّع على هزيمته المؤجلة. الاعتقال هنا ليس حادثةً أمنية بقدر ما هو نتيجة لمسارٍ كامل من سوء التقدير؛ مسارٍ خلط بين السيادة والشعارات، وبين الاستقلال والارتهان، فصار القرار الوطني ورقةً في لعبة أكبر منه. حين تُدار الدولة بمنطق التحدّي اللفظي، تصبح أولوياتها قابلة للمصادرة، ويغدو رأسها معرّضًا للسقوط عند أول تغيّر في ميزان المصالح.أما ما يُعَدّ لإيران، فلا يُقرأ بمنظار المؤامرة وحده ولا بمنطق الطمأنينة الساذجة. إنّه فصلٌ من صراعٍ طويل على الطاقة والممرّات والنفوذ، حيث تُستخدم الضغوط الاقتصادية والعزلة السياسية بديلاً عن المواجهة المباشرة، وحيث تُستدرج الخصوم إلى حافة الانفجار الداخلي قبل أي اشتباكٍ خارجي. ليست المسألة حربًا غدًا أو سلامًا بعد غد، بل اختبار قدرة الدولة على تحويل الضغط إلى تماسك، والتهديد إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي. من ينجح في ذلك يطيل عمره السياسي، ومن يفشل يكرّر مشهد الرئيس المعتقل، مهما اختلفت الأسماء والخرائط.في هذا السياق، يبدو الشرق الأوسط ساحةً تتقاطع فيها المصالح الكبرى بلا رحمة. النفط ليس مجرد سلعة، بل لغةُ الهيمنة الحديثة، والمضائق ليست جغرافيا صامتة، بل مفاتيح لاقتصاد العالم. كل دولة تُهمل جبهتها الداخلية وتراهن على صراخ الخارج، تُسهِم من حيث لا تدري في تسريع اختناقها. مصر، بثقلها التاريخي وموقعها، لا تملك ترف الانتظار؛ فتماسك الداخل شرطُ الدور، والشرعية الجامعة هي الدرع الوحيد حين تشتدّ الرياح. والسعودية، بما تملكه من ثقلٍ اقتصادي وسياسي، تقف أمام مسؤولية تاريخية في قراءة اللحظة لا بعين الخوف ولا بعين الاندفاع، بل بعين التوازن الذي يحفظ الاستقرار ويمنع الآخرين من تحويل المنطقة إلى ساحة تصفية حسابات.الدرس الأعمق في سقوط الرئيس المعتقل أن السياسة ليست مسرحًا للخطابة، بل علمُ تقديرٍ بارد للوقائع. من لا يحسب كلفة كلمته قبل أثرها، يدفع ثمنها فعلًا لا قولًا. ومن يظنّ أن التهديد يصنع هيبة، يكتشف متأخرًا أن الهيبة تُبنى بالتماسك، وباقتصادٍ قادر، وبشرعيةٍ لا تحتاج إلى رفع الصوت كي تُسمَع. هكذا فقط تُفهَم سرعة السقوط: لم تكن سرعة حدث، بل سرعة انكشاف.
في النهاية، لا يتحرّك التاريخ لصالح من يكتفي بردّ الفعل، ولا يرحم من يؤجّل الإصلاح حتى تأتيه العاصفة. من لا يعالج الداخل، يُهزم قبل أن تبدأ المعركة، ولو امتلك كل أدوات الضجيج. الزمن لا يحاكم النوايا، بل النتائج، ونتيجة السياسة التي تُدار بالوعيد وحده، سقوطٌ أسرع مما يتخيّل أصحابها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...
- إيطاليا… حين تتكلّم الحضارة لغة الشعر
- الصقور لا تستأذن الذباب: محمد صبحي في مواجهة إعلام الرداءة
- حين تُحاسَب السلطة ولا تُحاصَر الأرض


المزيد.....




- ما أهمية غرينلاند التي يريد ترامب السيطرة عليها؟
- ماذا نعرف عن -إعلان لانسينغ- الذي أيدت أمريكا فيه سيطرة الدن ...
- هدوء حذر يخيم على حلب وتعليق الدراسة والدوام والرحلات الجوية ...
- ترامب: فنزويلا ستسلم واشنطن قرابة 50 مليون برميل نفط
- توتر بحري روسي أميركي قرب فنزويلا.. موسكو ترسل غواصة
- واشنطن تضع وزير الداخلية الفنزويلي على رأس أهدافها
- -فنزويلا ستسلّم أمريكا ما بين 30 و50 مليون برميل نفط-.. ترام ...
- سوريا تعلق الرحلات الجوية في حلب مع اندلاع اشتباكات بين الجي ...
- لماذا يبدو النظام الإيراني في أضعف حالاته؟
- قتيل ومصابون في مظاهرة للحريديم بالقدس


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة