أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ














المزيد.....

فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 10:58
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس الخائنُ حادثةً طارئة في سيرة الأمم، بل هو سؤالٌ قديم يتكرّر كلّما ضعفت البوصلة، وكلّما استبدل الناسُ الوطنَ بالراعي، والعقلَ بالهتاف، والكرامةَ بالولاء الأعمى. الخيانة ليست فعلًا مفاجئًا، إنها مسارٌ طويل من التنازلات الصغيرة، تبدأ بتبرير الكذبة، وتنتهي ببيع الحقيقة كاملةً في سوق الخارج. وحين يُسأل الخائن: ماذا جنيت؟ يجيب بصمتٍ مدجّن، لأن الغنيمة التي لا تُقال هي دائمًا أثقل من أن تُحتمل.في الفلسفة، الذيل لا يقود، والظلّ لا يصنع شمسًا، والتابع لا يكتب تاريخًا. الذيلُ يتحرّك بحركة الرأس، فإذا قُطع الرأس ارتعش الذيل لحظةً ثم مات، لا بطولة في ذلك، ولا مأساة تستحق الرثاء. هكذا كانت حكايات الذين اختاروا أن يكونوا أصداءً لا أصواتًا، أدواتٍ لا عقولًا، جسورًا يعبر عليها الآخرون إلى خراب البلاد. قالوا حماية، فكانت مصادرة؛ قالوا مذهبًا، فكانت مقصلة؛ قالوا أمنًا، فكانت سجونًا ومنافي وخرائط تُرسم بدم الأبرياء.أيّ عقلٍ هذا الذي يظنّ أن الوطن يُستبدل بوليّ، وأن الإنسان يُختصر في راية، وأن الدم يصبح حلالًا إذا تغيّر الاسم؟ أيّ ضميرٍ ينام قريرًا بعد أن يُقسّم الشعب إلى فئات قابلة للقتل بالتأويل؟ التاريخ لا ينسى الأسماء التي استبدلت العباءة بالوطن، ولا يغفر لمن جعلوا الدين وظيفةً، والفتوى صفقةً، والعمامة قناعًا يخفي جهلًا أو فسادًا. في كل مرّة قُدّست فيها الأشخاص، سقطت القيم، وفي كل مرّة عُطّل العقل، اشتغلت المقابر.الفلسفة تسأل ولا تهتف: من يحمي المذهب حين يُذبح الإنسان باسمه؟ من ينقذ الوطن حين يُختزل في شعارات؟ من يربح حين يجوع الشعب وتنتفخ الحسابات؟ التناقض هنا فاضح: يدّعون الدفاع عن الهوية وهم يمزّقون الجسد، يرفعون راية الأخلاق ويغرقون في مستنقع التبرير، يلعنون الخارج صباحًا ويعملون له مساءً. أيّ ولاءٍ هذا الذي لا يرى الجائع، ولا يسمع صرخة الأم، ولا يحصي أسماء الذين سقطوا بلا قبور؟
ليس المطلوب أن تتوحّد العقائد، بل أن تتوحّد الإنسانية. ليس المطلوب أن يُلغى الإيمان، بل أن يُعاد إلى مكانه الطبيعي: في القلب، لا في السكين. الدين لله، والوطن للجميع؛ جملة بسيطة لأن الحقيقة بسيطة، لكنها ثقيلة على من اعتادوا تعقيدها ليُخفوا بها مصالحهم. العقل هو النجاة الوحيدة حين تتصارع العواطف، والكرامة هي السياسة الوحيدة التي لا تُفلس، والوطن هو العقد الأخلاقي الذي إن انكسر، تكسّر كلّ شيء بعده.
أيها الذين اختاروا الذيل مهنةً، تذكّروا أن التاريخ لا يكتب بالهتاف بل بالمسؤولية، ولا يرحم من جعلوا أنفسهم خناجر في خاصرة بلادهم. ستأتي لحظة الحساب لا بوصفها انتقامًا، بل بوصفها عدالة باردة تُحصي الوقائع بلا انفعال: سرقةٌ هنا، تواطؤٌ هناك، دمٌ مُهدر، كرامةٌ مُهانة. عندها لن تنفع الألقاب ولا الصور ولا الأصنام الصغيرة التي صُنعت من بشر.وأيها العراقيون، لا خيار لكم إلا عباءة العراق، لا عباءاتٍ مستوردة. التلاحم ليس شعارًا، بل فعل يومي من احترام الإنسان، ومن إعادة الاعتبار للعقل، ومن كسر سحر تقديس الأشخاص. اعبدوا ما تعبدون، واتركوا السرائر لربّ السرائر، وابنوا وطنكم بأيديكم وعقولكم. اسألوا دائمًا: من يستفيد؟ ومن يدفع الثمن؟ فحين تُطرح الأسئلة الصحيحة، تتساقط الأقنعة وحدها.هذه رسالة لا تشتم بقدر ما تُعرّي، ولا تهدّد بقدر ما تُذكّر: الذيول لا تصنع مستقبلًا، وحين يسقط الرأس الذي تعلّقت به، لا يبقى للذيل إلا الارتعاش الأخير. أما الأوطان، فتبقى بما فيها من محبةٍ وعقلٍ وإنسان.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...
- إيطاليا… حين تتكلّم الحضارة لغة الشعر
- الصقور لا تستأذن الذباب: محمد صبحي في مواجهة إعلام الرداءة
- حين تُحاسَب السلطة ولا تُحاصَر الأرض
- بعيدُها
- سعدون شفيق سعيد حين يتكلم البركان بصوت الحكمة


المزيد.....




- لبنان.. آخر تطورات محاكمة الفنّان فضل شاكر
- بعد 60 عاماً من العشرة.. مسنّ متهم بقتل زوجته في جريمة صدمت ...
- القمة الأردنية الأوروبية ترحب بخطة ترامب في غزة وتدعم الانتق ...
- ما الذي حدث في مينيابوليس؟
- تعليم أطفال غزة تحت ضغط غير مسبوق: كيف أثّر الجوع والصدمات ا ...
- أضخم عرض إسقاط ضوئي على مبنى حكومة طوكيو يبهر الحشود
- ماكرون: الولايات المتحدة -تتخلى تدريجيا- عن حلفاء و-تتجاهل ا ...
- المواد المضافة للأغذية.. خطر يهدد صحتنا؟
- إيران: مقتل شرطي في مواجهات جديدة والمعارضة في الخارج تدعو ل ...
- كيف يتحدى -المسنون الخارقون- الشيخوخة؟ 5 سلوكيات لدماغ أقوى ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ