أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش














المزيد.....

من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8575 - 2026 / 1 / 2 - 09:42
المحور: قضايا ثقافية
    


من ذي قار بدأت الحكاية الأولى، لا بوصفها معركة عابرة في كتاب تاريخ، بل بوصفها إعلانًا مبكرًا أن هذه الأرض تعرف كيف ترفع الإنسان قبل السيف، وكيف تجعل الأخلاق قانونًا سابقًا على القوانين، ففي الناصرية حيث انكسر الغرور الفارسي في ذي قار، لم تنتصر القبائل بعددها بل بمعناها، لم يكن النصر يومها حدثًا عسكريًا فحسب بل كان بيانًا أخلاقيًا قال للعالم إن في هذه الأرض ميزانًا لا يميل إذا حضر الشرف، ومن رحم ذلك الميزان خرجت مدن تعرف أن الفقر لا يُهين، وأن الغنى الحقيقي هو ما يبقى بعد الرحيل، وأن الإنسان حين يُمتحن يُعرف معدنه لا خطابه، ومن تلك السلالة جاء الرجل الذي هزّ صباحًا باردًا عند الفجر ضمير وطنٍ متعب، رجل لم يحمل ميكروفونًا ولم يطلب تصفيقًا ولم يكتب بيانًا، بل كتب فعله بيديه على طابو بيتٍ كان يمكن أن يبقى ملكًا له إلى الأبد، لكنه اختار أن يكون ملكًا لليُتم، وأن يتحوّل الجدار إلى رحمة، والباب إلى أمان، والسقف إلى دعاءٍ لا ينقطع.في زمنٍ تُقاس فيه الوطنية بعدد الشعارات وتُباع فيه القيم بالمزاد، خرج هذا الرجل من الشطرة ليذكّرنا أن الأخلاق لا تحتاج ميزانية ولا موافقات عليا ولا لجان نزاهة، وأن العدالة لا تنتظر مؤتمرات، وأن الكرم ليس صورة تُعلّق بل قرار يُنفّذ، حين وقف أمام طفلين فقدا الأب والأم معًا، لم يسأل عن طائفة ولا عن بطاقة ولا عن مزاج سياسي، سأل قلبه فقط فأجابه، وحين سلّم البيت باسمهما وأغلق الملف ورجع، ترك خلفه سؤالًا ثقيلًا يتدحرج في صدورنا جميعًا: ما جزاء من يفعل ذلك عند رب العالمين؟ وهل بقي في هذا البلد من يفهم أن اليتيم امتحان الأمم، وأن من ينجح فيه ينجو ولو خسر كل شيء؟
هنا تبدأ المقارنة المؤلمة التي لا تحتاج بلاغة لتؤلم، رجل واحد فعل ما لم تفعله حكومات، وضمير فرد أعاد تعريف الوطن أكثر مما فعلته دساتير، فأين الذين يحكمون باسم الدين من معنى اليتيم؟ وأين الذين يتاجرون بالفتاوى من دموع الأطفال؟ وأين الذين هربوا بالدولار من سؤال القبر؟ هل عرف السارقون والذيول معنى الوفاء؟ وهل فهموا أن الكرسي زائل وأن الحساب قادم ولو طال الأمد؟ أي دينٍ هذا الذي يترك المتقاعد على باب الحاجة ويمنح الامتيازات لأبناء لا يعرفون اسم العراق؟ أي عدالة هذه التي تُغدق على الغائب وتُجوّع الحاضر؟ وأي وطن هذا الذي يُدافع عنه الجندي حتى آخر نفس ثم يُكافأ بمرتب لا يكفي أسبوعًا، بينما تُفتح الخزائن لمن لم يقدّم سوى الانتماء الورقي؟يسخر الزمن حين نرى التعليم الذي كان مجانيًا يوم كان الفقر أشد، يتحوّل اليوم إلى سلعة في كل زقاق، وتصبح الدراسة للفقير على شاشة هاتف، ويُستبدل العقل بالضجيج، والمعرفة بالشعار، والجامعة بالإعلان، فكيف يُحكم بلد العلم بالجهل؟ وكيف تُدار دولة الحضارات بعقلية الغنيمة؟ وكيف يُسبّ التاريخ باسم الدين ويُطعن الرمز وتُستباح القيم ثم يُطلب منا الصمت باسم الاستقرار؟ إن إرهاب الفكر لا يقل فتكًا عن إرهاب الدم، وحين يُجيَّش الناس ضد بعضهم، تكون النتيجة ملايين الشهداء والمشردين والنازحين والأرامل، وطنٌ لو استُثمرت ثرواته لبنى لكل مواطن بيتًا من ذهب، لكنه اختار أن يبني القصور للغرباء ويترك أبناءه في العراء.
وسط هذا الخراب، ينهض فعل الرجل كمرآة فاضحة، يُظهر قبح الخيانة بوضوح، ويكشف أن الخونة لا يُهزمون بالسلاح بل بالأخلاق، وأن التوابع يُعرّون حين يقف مواطن واحد ويقول بفعله لا بلسانه: هذا هو العراق، هذا هو الدين، هذا هو الوفاء، فليتعلم من باعوا الوطن أن الوطنية ليست حسابًا بنكيًا، وأن السلطة امتحان لا غنيمة، وأن من لا يحفظ حق اليتيم لا يحق له أن يتحدث عن السماء.
من ذي قار إلى الشطرة، يمتد خيط المعنى واحدًا، هنا تُصنع القيم، وهنا يُفضَح الزيف، وهنا يُقال للتاريخ إن العراق لم ينتهِ، ما دام فيه رجل يقدّم بيته ليُسكن العدالة، ويترك لنا درسًا موجعًا جميلًا في آنٍ معًا: حين يغيب الحكّام، يحضر الإنسان، وحين يسقط الخطاب، ينهض الفعل، وحين تُباع الأوطان، يبقى من يشتري الخلود بعملٍ صامت، لا يسمعه إلا الله.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...
- إيطاليا… حين تتكلّم الحضارة لغة الشعر
- الصقور لا تستأذن الذباب: محمد صبحي في مواجهة إعلام الرداءة
- حين تُحاسَب السلطة ولا تُحاصَر الأرض
- بعيدُها
- سعدون شفيق سعيد حين يتكلم البركان بصوت الحكمة
- العالم على حافة إعادة التشكيل
- مرآة الغبار


المزيد.....




- بوظة بالنمل.. رحّالة يخوض أغرب تجربة طعام في النرويج
- الجماهير تحتشد للاحتفال بتنصيب ممداني عمدة لمدينة نيويورك
- سفير السعودية في اليمن يوضح -دور عيدروس الزبيدي- رئيس الانتق ...
- من المغرب إلى غينيا الاستوائية: كيف غيّر فيروس الإيبولا البل ...
- الحكومة اليمنية تطلق عملية لاستعادة مواقع عسكرية من -الانتقا ...
- طلب من تل أبيب بزيادة تمويل حماس قبل طوفان الأقصى.. ماذا جرى ...
- مأساة رأس السنة في سويسرا.. الشرطة تبدأ تحقيقات موسعة في حاد ...
- سويسرا: الشرطة تعلن مقتل 40 شخصا وإصابة أكثر من 100 في الحري ...
- في قطاع غزة يتطلع الفلسطينيون إلى الأمان والتعافي مع دخول ال ...
- كيف يغير -بلود نوت برو- المدعوم بالذكاء الاصطناعي طريقة تدوي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش