أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار














المزيد.....

حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8576 - 2026 / 1 / 3 - 21:51
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن ما جرى في كورنيش البصرة ليلة رأس السنة حادثة عابرة ولا نزوة احتفال خرجت عن السيطرة، بل كان مشهدًا كاشفًا، فاضحًا، ومؤلمًا إلى حدّ أن المدينة بدت فيه وهي تُجبر على النظر في مرآة صدئة ترى فيها ما لا تريد الاعتراف به. ما حدث جريمة تحرّش مكتملة الأركان، لا يخفف من بشاعتها صخب المناسبة ولا ازدحام المكان، ولا يبررها أي خطاب متهافت يحاول غسل القبح بماء الأعذار. هذه ليست أخلاق البصرة، ولا تمثّل أهلها، لكنها جريمة وقعت في فضائها، والفضاء العام مسؤولية الجميع.إنّ أخطر ما في الجريمة ليس وقوعها فحسب، بل محاولة ترويضها لغويًا وأخلاقيًا: أن تُسمّى “حماسة شباب”، أو “اندفاع احتفال”، أو أن يُحمَّل الضحية أيّ قدر من المسؤولية، وكأنّ الجسد إذ خرج إلى الشارع أسقط حقّه في الأمان. من يفعل ذلك لا يقف على الحياد؛ إنه شريك أخلاقي في الجريمة، يوسّع دائرتها ويمنحها شرعية زائفة. المتحرّش مجرم. لا “شاب طائش”، ولا “ابن شارع”، ولا “ضحية ظرف”. وكلّ كلام خارج هذا الإطار وقاحة على القانون وإهانة للضحايا، وتطبيع مع العنف.السكوت هنا عار، لأنّ الصمت حين يجاور الظلم يتحوّل إلى موافقة. والدفاع عن المتحرّش سقوط أخلاقي، لأنّ الدفاع عن الجريمة باسم الأعذار هو اغتيال للعدالة. ومن يرى في التحرّش “تفصيلًا” أو “مبالغة”، فليعلم أنّه يساهم في تحويل الأماكن العامة إلى ساحات خوف لا حياة، إلى مسارح رعب تُقصى منها النساء، ويُختبر فيها الحقّ في الوجود الآمن.
لا تعاطف، لا تبرير، لا أعذار. هناك جريمة… ويجب أن يكون هناك عقاب. غير أنّ العقاب وحده لا يكفي إن لم نفهم التربة التي نبتت فيها الجريمة. نحن أمام مجتمع متفكّك بدأ تفككه من الأسرة، حين ضعفت الروابط وتآكلت القيم تحت ضغط الفقر والعنف والخذلان، ومن المدرسة حين انكفأت التربية على تلقينٍ بلا روح، ومن التعليم حين غاب دوره في بناء الإنسان وحراسة المعنى، فعمّ الجهل، لا جهل القراءة فقط، بل جهل القيمة والحدّ والكرامة. وحين يشيع الجهل، تُستباح الأجساد، لأنّ الجهل لا يرى الإنسان إنسانًا، بل موضوعًا.وأقول للمتحرّش — وأقولها بلا مواربة — حتى لو كانت المرأة عاهرة، حتى لو كانت تحتفل في الشارع، حتى لو خالفت ذائقتك وأخلاقك، فليس لك الحقّ أن تصادر حقّها في الأمان. الجسد ليس مباحًا لأنّك اختلفت معه. الحرية لا تُلغى لأنّك لم تفهمها. اسأل نفسك: هل تقبل أن تكون أمّك أو أختك أو زوجتك في هذا الموقف المشين؟ إن كان جوابك لا، فكيف سمحت لنفسك أن تمنحه لغيرك؟ العدالة لا تُجزّأ، والكرامة لا تُنتقى.وما يزيد الألم فداحة أنّ هذا يحدث في مجتمعٍ يُسمّى إسلاميًا، والإسلام حرّم التحرّش والاعتداء تحريمًا قاطعًا، وجعل كرامة الإنسان أصلًا، ووصّى بالمرأة وصيةً صريحة: «خيركم خيركم لنسائه». أين ذهبت هذه القيم؟ كيف انقلب الخطاب من حماية الإنسان إلى مراقبة جسده؟ كيف صرنا نهتمّ بالفرج أكثر من الأخلاق، وبالفضيحة أكثر من الفضيلة، وبالضبط الشكلي أكثر من الجوهر؟ أيّ عقدٍ نفسية أصابت مجتمعًا يُدين الضحية ويبرّئ الجاني، ويُشيطن الفرح ويُقدّس القمع؟
لقد حوّلونا — عن قصدٍ أو إهمال — من مجتمعٍ ذي أخلاق إلى ثعلبٍ مسعور، يركض خلف غرائزه وقد فُكّت عنه القيود، بينما تُرك العقل عاريًا بلا تربية، والضمير بلا حماية. حين تعمّ الأسواق بالمخدرات، وتنتشر الاعتداءات الجنسية في الشوارع، لا يكون السؤال: لماذا حدثت جريمة؟ بل: لماذا تأخّرت؟ لأنّ الجريمة لا تولد فجأة؛ إنها نتيجة تراكم طويل من التفريط بالقيم، وتطبيع العنف، وتغذية الانحطاط، وإشاعة روح الفساد بعد أن خُنقت الفضيلة وسُخرت.الأسرة هنا ليست تفصيلًا، بل الجدار الأول. حين تنهار الأسرة، يُربّى الطفل على القوة لا على الرحمة، وعلى السيطرة لا على الاحترام، وعلى الصراخ لا على الحوار. والمدرسة حين تفقد رسالتها الأخلاقية، تُخرّج أجيالًا تعرف الحساب ولا تعرف الحدّ، تحفظ النصوص ولا تفهم المقاصد. والمجتمع حين يُكافئ الوقاحة ويُسكت الحكمة، يُنتج شوارع بلا ضمير.ما حدث في رأس السنة ليس احتفالًا خرج عن السيطرة؛ إنه اختبار فشلٍ أخلاقي. لكنه أيضًا فرصة أخيرة للقول: كفى. كفى تبريرًا. كفى تحميلًا للضحية. كفى صمتًا. لا حياة في مدينة تخاف فيها النساء من المشي، ولا عيد في مكان يُستباح فيه الأمان. حماية الفضاء العام ليست خيارًا، بل واجب. والعدالة ليست انتقامًا، بل ضمانة كي لا يتكرر الألم.إنّ استعادة القيم الإسلامية ليست شعارات تُرفع، بل سلوكًا يُمارس: احترام الإنسان، غضّ البصر، حماية الضعيف، نصرة المظلوم، وتجريم المعتدي بلا تردّد. واستعادة الأعراف التي تحمي المجتمع من نفسه تبدأ بإعادة الاعتبار للأسرة، وبمدرسة تُربّي قبل أن تُدرّس، وبقانون يُطبّق بلا محاباة، وبخطابٍ شجاع يسمّي الأشياء بأسمائها.أها… كم هو مؤلم أن نكتب هذا، وكم هو أوجع أن نحتاج إلى كتابته. لكن الألم حين يُقال قد يصير بداية شفاء. أما الصمت، فلا يُنتج إلا جريمةً أخرى، ومرآةً أشدّ صدأً في عيدٍ قادم.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...
- إيطاليا… حين تتكلّم الحضارة لغة الشعر
- الصقور لا تستأذن الذباب: محمد صبحي في مواجهة إعلام الرداءة
- حين تُحاسَب السلطة ولا تُحاصَر الأرض
- بعيدُها


المزيد.....




- تعثر جديد في مباحثات دمشق و-قسد- حول دمج مقاتليها في صفوف ال ...
- ترامب يتوعد الرئيس الكولومبي ويطلق تحذيرات إقليمية جديدة
- الشيخ يبحث بالقاهرة -سبل دفع- اتفاق غزة ونتنياهو يستمر بالعر ...
- مصابان برصاص الاحتلال بالقدس وخطط عسكرية تستهدف شمال الضفة
- -ليس لكم الحق-.. مخاوف دنماركية من مطامع ترامب في غرينلاند
- ترامب: عملية الهجوم على كولومبيا تروق لي
- الدنمارك تدعو واشنطن لوقف تهديداتها بعد حديث ترامب عن -الحاج ...
- الدانمارك تطالب ترامب بـ-الكف عن تهديداته- بشأن غرينلاند
- هل لعب موقف أميركا اللاتينية من فلسطين دورا في استهداف فنزوي ...
- هل ستتخلى إيران عن حزب الله؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار