أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة














المزيد.....

الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 14:57
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق الذي أُنهك من كثرة الأقنعة، لا يعود السؤال: من العدو؟ بل: من يجرؤ على تسمية العدو باسمه دون أن يرتجف صوته. هنا، حيث تتجاور القصور مع المقابر، وحيث تُدار السياسات بعقلية التاجر الخائف لا بعقلية القائد، وُلدت ظاهرة غريبة تستحق التأمل الفلسفي: حاكمٌ يرى النار تلتهم بيت جاره، فيُسرع لإطفاء شمعة في قصره كي لا يُتَّهم بإشعال الحريق.حكام الخليج، في المشهد الرمزي لهذا الصراع، ليسوا فرسان سلام ولا دعاة حكمة كما يُسوّق لهم، بل مرايا مصقولة تعكس خوفها قبل أن تعكس الواقع. فارس، ذلك الكيان الذي يتغذّى على الأسطورة الدينية والدجل السياسي، لم ينتصر بقوته بقدر ما انتصر بجبن الآخرين عنه. فحين يتراجع العقل، تتقدم الخرافة، وحين تصمت البنادق، تعلو أصوات الميليشيات، وحين تُرفع رايات “الاستقرار” فوق جماجم الشعوب، يصبح الدم تفصيلاً مزعجًا في نشرة الأخبار.الفلسفة تقول إن الشر لا ينتصر لأنه قوي، بل لأنه يُترك وحيدًا أمام ضعف خصومه. وهنا تكمن المأساة: لم تكن الخناجر مغروسة في ظهر العراق صدفة، بل زُرعت بوعي بارد، وبحسابات ضيقة، وبخوفٍ مُزمن من مواجهة فارس في عقر مشروعه التوسعي. العراق لم يُطعن لأنه وحيد، بل لأنه كان الجدار الذي لو صمد، لانكشف عُري الجميع. فكان الأسهل كسر الجدار، وترك الريح تعصف بما تبقى.في الرمزية السياسية، فارس ليست دولة فقط، بل فكرة: فكرة أن المقدس يمكن أن يتحول إلى دبابة، وأن العمامة قد تكون خوذة، وأن الدعاء قد يصبح أمر عمليات. هذه الفكرة لم تجد مقاومة حقيقية، لأن من كان يفترض بهم المقاومة، اختاروا التفاوض مع النار، وإقناعها بأن تحترق بهدوء. الحوار مع مشروع يقوم على القمع ليس حوارًا، بل تدريبٌ على الاستسلام. والسلام مع الطغيان ليس سلامًا، بل هدنة مؤقتة ريثما تكتمل المذبحة.السخرية الفلسفية تبلغ ذروتها حين نرى من يخشى المواجهة يلبس ثوب الحكيم، ومن يهرب من الصراع يتحدث عن “تفادي الفوضى”. أي فوضى أشد من مدن مدمرة، وشعوب مهجرة، وسجون ممتلئة بأجساد بلا أسماء؟ وأي حكمة تلك التي ترى في بقاء السجان ضمانة للاستقرار؟ الحكمة الحقيقية، كما يقول الفلاسفة، هي الشجاعة حين تكون الشجاعة مكلفة، لا حين تكون بلا ثمن.الخليج، في هذه المسرحية السوداء، أدى دور المتفرج القَلِق، ثم دور الوسيط الخائف، ثم دور الشريك بالصمت. لم يكن بحاجة إلى أن يطلق رصاصة واحدة، فقد كان الصمت كافيًا ليكون رصاصة في خاصرة العراق، وشيكًا على صدر اليمن، وظلًا ثقيلًا فوق لبنان وسوريا وغزة. وحين اكتملت الدائرة، صار الجميع يسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ وكأن الطريق لم يكن مرصوفًا بالتنازلات، ومضاءة بمصابيح الجبن.
التهكم هنا ليس شتيمة، بل تشريح. فالحاكم الذي يخاف من ظل فارس، سيخاف غدًا من ظل شعبه. ومن يفضّل أمن الكرسي على كرامة المنطقة، سيجد نفسه وحيدًا حين تتحول الكراسي إلى أطلال. التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يكتب أسماءهم إلا في الهوامش، بوصفهم أولئك الذين كان يمكنهم أن يقولوا “لا” فاختاروا الصمت، وكان يمكنهم أن يكونوا جدارًا فصاروا ممرًا.ومع ذلك، ورغم هذا الليل الطويل، فإن الفلسفة تعلمنا أن الظلام ليس أبديًا، وأن المشاريع التي تقوم على الخوف تنهار حين يفقد الخوف هيبته. فارس، مهما بدت متغطرسة، ليست قدرًا، وحكام الجبن ليسوا نهاية التاريخ. فالشعوب التي دفعت الثمن، والتي نامت في الشوارع، والتي تعلمت أن الموت اليومي أهون من حياة بلا كرامة، هي وحدها القادرة على كسر هذه الحلقة.
سيأتي يوم تُكسر فيه المرايا، وتُسحب الخناجر من الظهور، ويُعاد تعريف الحكمة بوصفها شجاعة أخلاقية لا مناورة سياسية. يومها فقط، سيُدرك من ظنّ أن الجبن سياسة، أنه كان مجرد فصلٍ عابر في كتابٍ لا يكتبه إلا الأحرار.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...


المزيد.....




- لا يتسع لأكثر من شخص..رحّالة عراقي يعبر أحد أضيق الممرات في ...
- أمريكا تبدأ رسميًا بيع نفط فنزويلا
- وصفه بـ-لطيف جدا-.. ترامب يشكك في قدرة رضا بهلوي على الحكم إ ...
- الدانمارك تؤكد -رغبة ترامب بغزو غرينلاند- وفرنسا ترسل قوات إ ...
- عاجل | هيئة البث الإسرائيلية: إسرائيل لا تنوي الانسحاب من ال ...
- من الجو والبحر.. خريطة الأسلحة الأميركية المحتملة ضد إيران
- رئيس كولومبيا يعلن موعد اللقاء مع ترامب
- الخبز الأسمر أم الأبيض.. أيهما أفضل لضبط سكر الدم؟
- قبل أي ضربة على إيران.. تقديرات عن إنذار مبكر ورد محتمل
- عُماني يوثق ظاهرة جوية خاطفة للأنفاس في سماء مُسندم


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة