أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد














المزيد.....

انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8583 - 2026 / 1 / 10 - 11:40
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست المظاهرات في إيران مجرد هتاف عابر أو فورة غضب موسمية، إنها تشبه تشقّقاً عميقاً في جدار الزمن، تصدّعاً يسمعه من يقف داخل القصر كما يسمعه من ينام في الأزقة، لحظة يكتشف فيها التاريخ أن الرمز الذي طالما أدار الحشود لم يعد قادراً على تحريك حجر واحد في ساحة الواقع. العمامة، بوصفها سلطة رمزية قبل أن تكون غطاء رأس، كانت طويلاً لغة خفية للحكم، قاموساً لإدارة الخوف والأمل معاً، لكنها اليوم تواجه امتحانها الأصعب أمام شعب لم يعد يطلب الفتوى، بل يطالب بحقه في الهواء والماء والخبز والكرامة. ما يحدث في إيران ليس صراعاً بين نظام ومعارضة فحسب، بل مواجهة بين زمنين؛ زمن كان يُدار بالإشارة والهمس من خلف ستائر المقدس، وزمن يريد أن يُدار بالوضوح والمساءلة والرقم والحساب.في عمق هذه اللحظة، تتقدّم الشوارع الإيرانية بوصفها نصاً مفتوحاً، يكتبه الناس بأقدامهم وأصواتهم، بينما تتراجع المنصات القديمة التي كانت تحتكر تفسير السماء. السوق الشعبي الذي كان يوماً خزان الشرعية ورافعة النفوذ الرمزي، انقلب مرآة للفقر والغضب، وحين يثور السوق، تسقط الأساطير دفعة واحدة، لأن الاقتصاد حين ينهار لا يعترف بالقداسة، ولأن الجوع لا ينتظر خطبة الجمعة ليقرر موقفه. هنا بالضبط، تتعرّى الدولة التي أدمنت إدارة المجتمع بالخوف، وتكتشف أن الخوف نفسه تغيّر معناه؛ فالشعب الذي لم يعد يملك ما يخسره، لا يمكن ردعه، ولا يمكن إعادته إلى القفص بالشعارات القديمة.العمامة في هذا المشهد ليست ضحية، بل رمزاً استُهلك حتى نهايته، رمزاً استند طويلاً إلى كونه وسيطاً بين السلطة والناس، بين الداخل والخارج، بين المصالح الكبرى والشارع الصغير. وحين ينتهي دور الوسيط، يصبح عبئاً على الجميع، حتى على من صنعه ورعاه. التاريخ لا يتحرك بالعاطفة، بل بالوظيفة، وما لا يعود نافعاً يُرمى خارج النص.لذلك، فإن ما نشهده اليوم ليس مؤامرة بقدر ما هو إعادة ترتيب باردة للعالم، حيث تُستبدل اللغة الرمزية بلغة الإدارة، ويُستبدل الحارس الغيبي بمدير يحسب الخسارة والربح. المزارات التي كانت دولة داخل دولة، تتحول في هذا السياق إلى جدران صامتة، بلا مفاتيح سياسية، لأن العالم الجديد لا يطيق المساحات الرمادية ولا الكيانات الموازية.في إيران، تتكثف هذه التحولات بصورة درامية، فالقمع لم يعد يخيف، وقطع الإنترنت لم يعد يعمي، لأن الوعي سبق الشبكة، ولأن الغضب حين يبلغ ذروته يجد ألف طريق للخروج. الهتافات التي تطالب بنهاية النظام ليست مجرد شعارات، إنها إعلان قطيعة مع فكرة الحكم الأبدي، ومع دولة تعتبر نفسها قدراً لا يُرد. هنا يصبح الصراع وجودياً، لا حول شكل الحكم فقط، بل حول معنى الحياة نفسها داخل هذا الحكم. الماء الذي ينضب، والمال الذي يُنهب، والأرض التي تُدار بعقلية الغنيمة، كلها عوامل تحوّل السياسة إلى مسألة بقاء لا تقبل التأجيل.وإذا كان الشارع الإيراني اليوم يكتب فصلاً جديداً، فإن أصداءه تتجاوز حدوده الجغرافية، لأن العمامة لم تكن محلية الدور، بل إقليمية الوظيفة، تمد أذرعها حيثما وُجد فراغ أو هشاشة. سقوط هيبتها في المركز يعني ارتجاف أطرافها في المنطقة، ويعني أن زمن إدارة الدول بالوكالة الرمزية يقترب من نهايته.التغيير القادم لا يحمل بالضرورة وجهاً مثالياً، لكنه يحمل شرطه الأول: كسر الاحتكار، كسر الوساطة، وإعادة السياسة إلى الأرض بعد أن ظلت معلّقة في السماء طويلاً.ما يحدث اليوم ليس نهاية الدين، بل نهاية توظيفه كجهاز تحكم عن بعد، وليس إعلان حرب على الإيمان، بل استرداد للإنسان من قبضة الرمز حين يتحول إلى سجان. لذلك، فإن المظاهرات في إيران ليست خبراً عاجلاً، بل درساً تاريخياً، يقول إن الشعوب حين تستعيد صوتها، تسقط الأقنعة تلقائياً، وإن العمامة، مهما طال ظلها، لا تستطيع الوقوف أمام شمس شعب قرر أخيراً أن يرى.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...


المزيد.....




- لحظة هبوط كبسولة فضاء تحمل 4 رواد.. فيديو يرصد ما فعلته دلاف ...
- روسيا تعلن طرد دبلوماسي بريطاني بسبب مزاعم بالتجسس.. ولندن ت ...
- أسئلة يجب على ترامب طرحها قبل توجيه ضربة لإيران.. محلل يوضح ...
- بلاغ للنائب العام للتحقيق في الاعتداء البدني على محمد عادل ب ...
- -لم أعد أشعر بالأمان-: إقبال غير مسبوق للسوريين في الجولان ا ...
- إيران بين ثورتين.. لماذا يعود إرث الشاه إلى الواجهة تزامنًا ...
- بعد توتر طويل.. رئيس الوزراء الكندي يزور الصين لتعزيز التجار ...
- تظاهرة في إسرائيل تضامنا مع متظاهري إيران بعد أسابيع من الاض ...
- انتظارات 2026: سنة ا لتناوب ا لديمقراطي !
- أخبار اليوم: سلطات الطيران الألمانية تدعو لتجنب أجواء إيران ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد