أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتكلم الشارع وتسكت العروش














المزيد.....

حين يتكلم الشارع وتسكت العروش


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8580 - 2026 / 1 / 7 - 07:58
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس ما يجري في إيران مجرد احتجاجٍ عابرٍ يمكن احتواؤه ببيانٍ أمني أو تهديدٍ متلفز، بل هو انكسارٌ فلسفي عميق في معادلة السلطة ذاتها، لحظة تاريخية خرج فيها الخوف من صدور الناس، فعاد إلى القصور، وتبدلت الأدوار بين من اعتاد إصدار الأوامر ومن صار يلهث خلفها. في اليوم العاشر من هذه الهزة الشعبية، لم يعد الشارع هامشًا في المشهد، بل صار المتن كله، وصارت السلطة حاشيةً مرتبكة تدور حول فراغها.الثورة، حين تبدأ، لا تُقاس بعدد المتظاهرين فقط، بل بدرجة الصمت الذي يصيب أدوات القمع، وبالارتباك الذي يتسلل إلى خطاب القوة. وما نراه اليوم في الجغرافيا الإيرانية المتشظية هو هذا الصمت بعينه؛ صمت البنادق التي لم تعد قادرة على فرض الهيبة، وصمت الشعارات الرسمية التي فقدت معناها أمام زحف الواقع. فالمدينة التي تخرج عن السيطرة لا تعود مجرد مدينة، بل تتحول إلى فكرة، والفكرة حين تنتشر لا يمكن اعتقالها.في غرب البلاد، حيث اعتادت السلطة أن ترى الأطراف أقل جرأة، انكشفت الحقيقة على نحو صادم. آبدانان لم تكن مجرد ساحة احتجاج، بل مرآة عاكسة لتصدع القبضة الأمنية، وقصر شيرين لم تكن اسمًا عابرًا في نشرة أخبار، بل شاهدًا على عجز القوة حين تواجه إرادة جماعية. إن استدعاء الجنود من مؤسسات عسكرية أخرى، ومحاولات سد الفراغ بالقوة الخام، ليست إلا اعترافًا غير معلن بأن النظام لم يعد يثق بأدواته المعتادة، وأنه بات يقاتل بجسدٍ مرتجف وروحٍ منهكة.أما طهران، قلب السلطة ورمزها، فقد شهدت ما هو أخطر من الاحتجاج ذاته: كسر الهيبة في المركز. حين تتغير أسماء الشوارع، لا يتغير الحجر فقط، بل تتغير اللغة، وحين يعاد تعريف المكان، يعاد تعريف السلطة. إن هذا الفعل الرمزي، في جوهره، إعلان قطيعة نفسية مع الخوف، ورسالة تقول إن السيادة لم تعد حكرًا على القصر، وإن الشارع بات يكتب روايته بنفسه، دون وسطاء.وفي أصفهان، حيث الرمزية التاريخية والدينية، لم يكن حرق العلم أو استهداف مكاتب ممثلي السلطة الدينية فعل غضبٍ أعمى، بل كان تفكيكًا واعيًا للرمز. فالثورات لا تكتفي بإسقاط الجدران، بل تسعى إلى هدم المعنى الذي يمنح تلك الجدران شرعيتها. حين يسقط الرمز، يسقط معه وهم القداسة، وتتحول السلطة من كيانٍ متعالٍ إلى واقعٍ قابل للنقد والمساءلة.كرج وفرديس قدمتا مشهدًا آخر من مشاهد الانهيار البطيء. المباني التي صُممت لتكون واجهة للنظام صارت أهدافًا للغضب الشعبي، لا لأنها حجر، بل لأنها تمثل فكرة الوصاية. والتهديدات التي خرجت من أفواه المسؤولين لم تكن تعبيرًا عن قوة، بل عن خوفٍ مكشوف، خوف من شارع لم يعد يصدق الرواية الرسمية، ولا ينتظر الإذن ليغضب.الأحواز، بجراحها القديمة، لم تكن استثناءً، بل كانت ذروة التصعيد. حين تُخلى القواعد العسكرية، لا يكون ذلك إجراءً تكتيكيًا فحسب، بل علامة على فقدان الثقة بالميدان. وحين يسقط الشباب برصاص السلطة، تتحول دماؤهم إلى نصٍ مفتوح يقرأه الجميع، نص لا يمكن حذفه بقطع الإنترنت أو بتغيير المراسلين.شرق البلاد بدوره لم يبقَ خارج المعادلة. سبزوار وغيرها أكدت أن الجغرافيا لم تعد قيدًا، وأن الاحتجاج لم يعد محليًا أو فئويًا، بل صار حالة عامة، تمتد كنبضٍ واحد في جسدٍ واسع. هذه ليست ثورة مدينة ضد مدينة، بل مجتمع ضد بنية، وإنسان ضد نظامٍ صادر صوته طويلاً.أما الرواية الرسمية، فقد بدت اليوم كجدارٍ من ورق. محاولات التجميل الإعلامي، واللجوء إلى ناطقين بلغات أخرى، ليست دليل سيطرة، بل دليل قلق. فحين تخاطب السلطة الخارج أكثر مما تخاطب الداخل، فهي تعترف ضمنًا بأن الداخل خرج من يدها، وأن صورتها باتت أهم من حقيقتها.في العمق، ما يجري هو لحظة تصفية حساب بين الزمن والسلطة. الزمن الذي طالما أُجِّل انفجاره، قرر أخيرًا أن يتكلم دفعة واحدة. هذه ثورة لا تُقاس بالشعارات وحدها، بل بانقطاع الإنترنت، بإخلاء القواعد، بتصدع الأجهزة، وبذلك الإحساس العام بأن النظام لم يعد كما كان، ولن يعود.وحين ينهض الشعب، لا يفعل ذلك لأنه يحب الفوضى، بل لأنه تعب من الصمت. وما بين تعب الناس وارتباك السلطة، تولد الثورات، لا كحدثٍ عابر، بل كتحولٍ وجودي يعيد تعريف العلاقة بين الحاكم والمحكوم. هنا، في هذه اللحظة، لم يعد السؤال: هل تسقط السلطة؟ بل متى تعترف بأنها سقطت، ولو أخلاقيًا، قبل أن تسقط سياسيًا.
هكذا يتكلم الشارع، وحين يتكلم، لا يبقى للعروش سوى أن تصغي، أو أن تسقط وهي تظن نفسها ما زالت واقفة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ
- عندما يرتدي القاضي خوذةً… وتصبح الدولة حاشيةً في بلاط السلاح ...


المزيد.....




- ماذا نعرف عن صفقة قديمة لشراء غرينلاند فشلت أمريكا في إبرامه ...
- كيف يُمكن لترامب -الاستيلاء- على غرينلاند؟
- برشلونة يكتسح بلباو بخماسية في جدة ويبلغ نهائي كأس السوبر ال ...
- سيناتور: ترامب أعطى الضوء الأخضر لمشروع قانون عقوبات ضد روسي ...
- ترامب يدعو رئيس كولومبيا للبيت الأبيض بعد أيام من تهديده
- بعدما وصفه بـ-رجل يُحب صنع الكوكايين-.. ترامب يدعو رئيس كولو ...
- كأس أمم أفريقيا: لاعب جزائري يسرق الطعام؟
- اليمن: إقالة الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي وغموض يلف مكانه ...
- أفريقيا وسؤال الاستثمار: من يربح في زمن التنافس العالمي؟
- فرنسا وبريطانيا توقّعان إعلان نوايا لنشر قوات في أوكرانيا إذ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتكلم الشارع وتسكت العروش