أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار














المزيد.....

إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8582 - 2026 / 1 / 9 - 08:06
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس ما يجري في إيران حدثًا عابرًا ولا نوبة غضبٍ موسمية يمكن احتواؤها بخطبة جمعة أو بيانٍ أمني، بل هو انكسارٌ عميق في العمود الفقري لفكرةٍ حَكمت باسم السماء وهي تمارس الأرض بكل أدوات القمع. الشارع الإيراني اليوم لا يصرخ من الجوع وحده، بل من الإهانة المتراكمة، من حياةٍ صودرت باسم الولاية، ومن وطنٍ حُوِّل إلى معسكرٍ عقائدي يُدار بعقلية الطوارئ الدائمة. هنا، تتكشّف الحقيقة العارية: حين تتحول العمامة إلى دولة، تتحول الدولة إلى سجن.على مدى عقود، رُفِعت شعارات الطهر الثوري فيما كانت الأيادي تمتد إلى خزائن الناس، وتُبنى إمبراطوريات ظلٍّ من المال والسلاح والمخدرات، ويُستثمر الدين كوقودٍ لحروبٍ لا تنتهي. قيل للشعب إن الصبر عبادة، وإن الفقر امتحان، وإن الاعتراض خيانة، لكن الأجيال الجديدة لم تعد تؤمن بنصوصٍ تُستعمل لتكميم الأفواه. لقد كبرت على الإنترنت، ورأت العالم، ووازنت بين الحياة الممكنة والحياة المفروضة، فاكتشفت أن القداسة حين تُحتكر تتحول إلى طغيان.المشهد اليوم ليس صدامًا بين متظاهرٍ ورجل أمن، بل مواجهة بين زمنين: زمنٍ يصرّ على إعادة تدوير الخوف، وزمنٍ يريد كسر الحلقة النارية التي صهرت الشعوب باسم “تصدير الثورة”. تلك الحلقة التي بدأت بإيران ولم تنتهِ عند حدودها، فمدّت أذرعها إلى العراق ولبنان وسوريا واليمن، وخلقت اقتتالًا طائفيًا مقيتًا جعل الهوية سكينًا، والذاكرة مقبرة. ما يتداعى في طهران يتداعى معه وهم السيطرة الإقليمية؛ فالمركز إذا اهتزّ، ارتجّت الأطراف.ولأن الأنظمة العقائدية لا تسقط فجأة، فهي تترنّح طويلًا، تحاول شدّ الزمن إلى الوراء، وتستدعي لغة المؤامرة لتبرير فشلها، وتلوّح بالعنف حين تعجز عن الإقناع. لكن الخطر الحقيقي عليها ليس في الشارع وحده، بل في تشقق اليقين داخلها. حين يبدأ السؤال في قلب المؤسسة، وحين يتقدّم الشك على الطاعة، يصبح القمع اعترافًا ضمنيًا بالهزيمة. إن الدولة التي تحتاج إلى السوط كي تُقنع، فقدت قدرتها على الحكم.في هذا الفراغ الرمزي، يطفو اسم رضا بهلوي، لا كعودةٍ نوستالجية لملكيةٍ غابرة، بل كإشارة إلى بحثٍ مضطرب عن انتقالٍ آمن، عن جسرٍ يعبر فوق أنقاض الجمهورية الدينية دون الوقوع في فخ استبدادٍ جديد. السؤال هنا ليس من يحكم، بل كيف يُحكم: هل تُستعاد الدولة كعقدٍ مدني يفصل بين الإيمان والسياسة، أم يُعاد إنتاج السلطة بأقنعةٍ أخرى؟ الشارع الإيراني، بذكائه الفطري، يبدو واعيًا لهذا الفخ، ولذلك فإن صوته أعلى من أي رمز، وإرادته أوسع من أي اسم.العالم يراقب، لا بدافع الأخلاق وحدها، بل لأن زلزال إيران يعيد ترتيب خرائط النفوذ. انهيار سردية “الدولة الثورية” يربك حسابات كبرى، ويضع القوى الدولية أمام اختبارٍ جديد: هل تدعم تحرر الشعوب حقًا أم تكتفي بإدارة الفوضى؟ غير أن العامل الحاسم يبقى داخليًا؛ فالتغيير الذي لا يصنعه أهله يُختطف، والثورة التي لا تحمي وعيها تُسرق.أما العراق ولبنان، فهما المرآة الأقرب لهذا التحول. في العراق، حيث تماهت الدولة مع الميليشيا، وحيث جرى تفريغ السيادة لصالح وصايةٍ عابرة للحدود، فإن اهتزاز طهران يعني تراجع المظلّة التي حمت نظام المحاصصة بالسلاح والمال. وفي لبنان، حيث خُنقت الدولة بين فساد الداخل وهيمنة الخارج، فإن انكسار القبضة الإقليمية يفتح نافذة، ولو ضيقة، لعودة السياسة من فوهة البندقية إلى طاولة المجتمع. ليس السقوط تلقائيًا، ولا الخلاص فوريًا، لكن توازن الخوف يتغير، وهذه بداية كل تحوّل.الفلسفة هنا بسيطة وقاسية في آن: حين تُقدَّس السلطة تُدنَّس الحياة. وحين يُختطف الدين من ضمير الناس يُحوَّل إلى جهاز قمع. الثورة الإيرانية اليوم، إن كُتِب لها أن تكتمل، لن تكون ضد الإيمان، بل ضد احتكاره، ولن تكون ضد الهوية، بل ضد تحويلها إلى سلاح. إنها محاولة لاستعادة المعنى من فم الخطابة، والكرامة من يد الجلاد.قد تطول الطريق، وقد تشتدّ العتمة قبل الفجر، لكن ما انكسر لن يعود كما كان. لأن الشعوب حين تتعلم نطق الحقيقة، لا تنساها. ولأن النار التي أُضرمت باسم “الثورة” وأحرقت الآخرين، ها هي تعود لتلتهم جذورها. تلك ليست شماتة، بل عدالة التاريخ حين يطالب بثمن الأكاذيب. وفي نهاية المطاف، لن ينتصر شعار ولا عمامة ولا علم، بل الإنسان حين يقرر أن يعيش بلا وصاية، وأن يكتب مستقبله بيده، لا بفتوى جلاده.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ
- أسطورة التقدّم: هل يتطوّر الإنسان أم تتطوّر أدوات السيطرة عل ...
- الجمجمة الأولى
- قَرِّبْ خُطاكَ


المزيد.....




- ترامب يدعو كوبا لـ-التوصل إلى اتفاق قبل فوات الأوان-.. وهافا ...
- بنين تجري انتخابات تشريعية وبلدية بعد نحو شهر من إحباط محاول ...
- وزير الإعلام السوداني للجزيرة نت: أكثر من 3 ملايين نازح عادو ...
- ارتفاع حصيلة الشهداء بغزة وتحذير أممي من تقييد المساعدات
- السويد تستثمر بأكثر من مليار يورو لتعزيز دفاعها الجوي
- موقع أميركي: ما جرى في مينيابوليس يحدث بشكل متكرر في فلسطين ...
- نقاشات في الناتو ووزراء أوروبيون ينددون بالأطماع الأميركية ف ...
- ترامب: كوبا لن تحصل على نفط فنزويلا وعليها عقد اتفاق -قبل فو ...
- -منطق المطوّر العقاري-.. تحليل يكشف دوافع ترامب الحقيقية ورا ...
- حمد بن جاسم يعلق على احتمال -انضمام تركيا- للاتفاق الدفاعي ب ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار