أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة














المزيد.....

يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8584 - 2026 / 1 / 11 - 10:52
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست أمنيتي في يوم القيامة حورًا عين ولا قصورًا من ذهب، ولا حتى شهادة حسن سلوك من الملائكة، أمنيتي أبسط وأخطر في آنٍ واحد: أن أجد وقتًا كافيًا لطرح الأسئلة التي خنقتها المجاملات على الأرض، الأسئلة التي كنا نبتلعها مع الخبز اليابس ونقول بعدها: الله كريم.
أتخيل يوم القيامة لا كساحة حساب فقط، بل كأكبر محكمة استئناف كونية، بلا محامين ولا شهود زور، حيث يسقط كل “سأشرح لاحقًا” وتنهار كل “الظرف ما يسمح”.أول من أبحث عنه هناك هو حمو رابي، لا بصفته مشرّعًا عظيمًا، بل كمحاسب تاريخي. أقترب منه وأسأله بأدب عراقي ساخر لا يخلو من الوجع: يا أبا القوانين، العراق الذي بنيته على الطين والماء، بنيته بفلوس حلال أم بقروض ربوية مؤجلة السداد إلى الأبد؟ لأننا حتى اليوم ندفع الفوائد، لا على المال، بل على الدم، وكل جيل يرث الدين كما يرث لون العيون، والنتيجة واحدة: عيون ساهرة وقلوب مفلسة. لقد كتبت “العين بالعين”، لكننا فهمناها “العين على الرصيد”، وطبقنا القانون على الضعفاء وعلّقناه على الجدران عند الأقوياء، مثل لوحة جميلة في بيت مهدّم.ثم أبحث عن النبي نوح، لا لأجادل نبوته، حاشا، بل لأفهم آلية الاختيار. أسأله بهدوء من غرق في ألف طوفان معاصر: هل أنت متأكد يا نبي الله أن الذين صعدوا السفينة كانوا كلهم صالحين؟ أم أن بعضهم جاء لأنه يحمل بطاقة واسطة، أو لأنه يجيد البكاء وقت الخطر، أو لأنه كان يعرف كيف يصرخ: “أنا مظلوم” بصوت عالٍ؟ فخبرتنا الحديثة تقول إن السفن لا تمتلئ دائمًا بالأنقياء، بل بالأكثر قدرة على الدفع أو الدفع عن أنفسهم، أما الصالح الحقيقي فغالبًا ما يُترك على اليابسة لأنه لم يتقن فن النجاة بالكذب.أضحك حين أتذكر أن قابيل وهابيل لو عاشا في زمننا لاحتاجا لجنة تحقيق، وأن الذئب الذي أكل يوسف صار اليوم مدير شركة علاقات عامة، يعتذر عن الحادث ويطالب بتعويض معنوي. وأبكي حين أرى أن فرعون لم يمت، بل غير لقبه الوظيفي، وأن هامان صار مستشارًا إعلاميًا، وأن العجل الذهبي تطور فأصبح حسابًا مصرفيًا محترمًا.
الفلسفة هنا لا ترفع إصبعها، بل تضحك ضحكة مرة وتقول: المشكلة ليست في الطوفان، بل في الذين يتقنون السباحة فوق الجثث. ليست في القوانين، بل في الذين يقرؤونها عند الحاجة فقط. وليست في السفن، بل في الركاب الذين يغيرون اتجاه البوصلة ثم يتهمون البحر.في يوم القيامة، أدرك متأخرًا أن أسئلتي ليست موجهة لحمو رابي ولا لنوح، بل لنا نحن، لأننا كلما فشلنا اخترعنا أسطورة، وكلما أخطأنا بحثنا عن نبي أو مشرّع نعلّق عليه الخطأ، بينما الحقيقة عارية وبسيطة ومخيفة: نحن نحب النجاة أكثر من العدالة، ونحب السفينة أكثر من الوجهة، ونحب الضحك على المأساة لأن البكاء لم يعد يغير شيئًا.وهكذا، أخرج من محكمة يوم القيامة مبتسمًا بحزن، وأقول لنفسي: لعل أعظم عدالة إلهية ليست في الحساب، بل في أن تنكشف كل الأعذار دفعة واحدة… وعندها فقط نفهم لماذا كان الضحك أحيانًا أصدق أشكال البكاء.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب
- عند تخوم الضوء
- نص قصيدة -شَرْخ- لحامد الضبياني من واقعة عاطفية إلى بنية وجو ...
- عذابُلتي حين تعلّمتُ أن أكتب على شواهد الموت.
- شَرْخ


المزيد.....




- صلاح يحقق رقما قياسيا جديدا ويصبح أول لاعب يسجل في مرمى 11 م ...
- الرئيس الإيراني يتهم أمريكا وإسرائيل بتأجيج -أعمال الشغب- وس ...
- إسرائيل ترفع حالة التأهب القصوى وسط مخاوف من تدخل أمريكي في ...
- السفير الأميركي يشدد على أمن اليمن وخارجية مصر تدعو لحل سياس ...
- هجوم أوكراني على مدينة روسية وموسكو تزعم السيطرة على قرية أو ...
- عاجل | الجيش السوري: بدأنا استنفار قواتنا وتعزيز خط الانتشار ...
- ترامب يهدد كوبا: اتفاق قبل فوات الأوان أو مواجهة العواقب
- هذه هي الاحتياطات التي تتخذها شركات الطيران للتأكد من أنّ طي ...
- -الملالي انشغلوا بالحروب وتصدير الثورة-.. ضاحي خلفان يعلق عل ...
- تركيا تتهم -الموساد- بالتحريض على الاحتجاجات في إيران.. وتحذ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة