أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام














المزيد.....

العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8600 - 2026 / 1 / 27 - 09:42
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس العراق ساحةً للصراع بقدر ما هو مرآةٌ كبرى، كلُّ من يمرّ أمامها يرى صورته مكسورة أو مضخّمة بحسب زاوية النظر. في هذه اللحظة الحرجة من تاريخه، لا يقف العراقيون أمام سؤال السياسة وحده، بل أمام سؤال أعمق: هل ما نراه دولة أم ظلّ دولة؟ وهل ما نختلف عليه أشخاص أم مصائر؟ فالأزمة الراهنة، بما تحمله من انقسام حاد بين المؤيد والرافض، ليست خلافًا على رجل بعينه، بقدر ما هي صراع بين فكرتين متناقضتين عن معنى الحكم، وعن شكل العراق الممكن بعد كل هذا الخراب المتراكم.العراق اليوم يشبه بيتًا قديماً تتنازع جدرانه شقوق الزمن. كل حجر فيه يحفظ ذاكرة حرب، وكل نافذة تطلّ على خوف قديم يتجدّد. منذ سنوات طويلة، اعتاد العراقي أن يعيش في حالة طوارئ دائمة، حتى صار الاستثناء هو الاستقرار، وصار السؤال عن الدولة سؤالًا مؤجلًا إلى إشعار آخر. لكن ما يحدث الآن يعيد فتح هذا السؤال بقسوة: من يملك القرار؟ ومن يدفع الثمن؟الانقسام داخل البيت الواحد ليس وليد الساعة، بل نتيجة تراكم طويل من السلطة التي تشكّلت على أساس الخوف لا على أساس العقد الاجتماعي. حين تتحول السياسة إلى شبكة ولاءات، وحين يصبح السلاح لغة تفاوض، تفقد الدولة معناها الأخلاقي قبل أن تفقد مؤسساتها. عندها، لا يعود الصراع بين برامج ورؤى، بل بين منطقين: منطق الدولة ومنطق الجماعة، منطق القانون ومنطق القوة، منطق البقاء ومنطق الانتقام.في هذا المشهد الملبّد، يبرز المالكي بوصفه رمزًا أكثر منه شخصًا. المؤيدون يرون فيه آخر رجال الدولة الصلبة، القادر على اتخاذ القرار في زمن التردّد، والرافضون يرون فيه تجسيدًا لمرحلة أثقلت العراق بالأزمات والانقسامات. لكن القراءة الفلسفية لا تقف عند هذا التبسيط. فالرجل، مهما اختلفنا حوله، نتاج منظومة كاملة، ونتاج لحظة تاريخية سمحت للفرد أن يكبر على حساب المؤسسة، وللقوة أن تتقدم على الحكمة.العراق، في جوهر أزمته، يعيش صراع ما بعد الوصاية. سنوات طويلة تشكّل فيها القرار الوطني تحت ظلال الخارج، حتى بات الداخل نفسه منقسمًا بين من يرى في هذا الظل حماية، ومن يراه قيدًا. ومع تبدّل موازين القوى الإقليمية والدولية، يجد العراق نفسه أمام امتحان عسير: هل يستطيع أن يعيد تعريف نفسه كدولة ذات سيادة، أم سيبقى ساحة لتصفية الحسابات؟
الانقسام الحالي داخل القوى المتحالفة سابقًا يكشف عن حقيقة مؤلمة: التحالفات التي تُبنى على الخوف لا تصمد طويلًا. حين يزول الخطر الخارجي أو يتبدّل شكله، يبدأ الصراع الداخلي. وهذا ما نشهده اليوم؛ ليس صراع طوائف، بل صراع على معنى السلطة نفسها. هل هي أداة لإدارة الدولة أم غنيمة تُحمى بالسلاح؟المؤيدون يخشون الفراغ، والرافضون يخشون العودة إلى الوراء. وبين هذا وذاك، يقف الشعب العراقي في المنتصف، متعبًا من الشعارات، مرهقًا من التجارب الفاشلة، يبحث عن دولة لا تطلب منه الولاء الأعمى، بل تمنحه حق الحياة الكريمة. العراقي البسيط لا يعنيه كثيرًا اسم من يحكم، بقدر ما يعنيه أن يشعر أن القانون يحميه، وأن الغد ليس نسخة مكررة من الأمس.الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة لا تُقاس بقوة حكّامها، بل بقدرتها على الاستمرار بعد رحيلهم. وكل دولة تُربط بشخص واحد، تكون قد حكمت على نفسها بالهشاشة. من هنا، فإن الخطر الحقيقي ليس في عودة هذا أو غياب ذاك، بل في استمرار منطق الشخصنة، واستمرار تأجيل بناء دولة المؤسسات .العراق اليوم على مفترق طرق: إما أن يختار طريق الدولة، بكل ما يتطلبه من تفكيك للعنف المنفلت، وإعادة تعريف للشرعية، وإما أن يواصل الدوران في حلقة الصراعات الداخلية التي لا تُنتج سوى مزيد من الخسارات. لا أحد بريء في هذا المشهد، ولا أحد يملك الحقيقة كاملة. الجميع شركاء في الأزمة، والجميع معنيون بالخروج منها.في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل يتعلم العراق من آلامه، أم يكررها بأسماء جديدة؟ هل يتحول الصراع الحالي إلى لحظة وعي تعيد الاعتبار لفكرة الدولة، أم يصبح حلقة أخرى في مسلسل الانهيار البطيء؟ العراق، بتاريخه وثقله ووجعه، يستحق أكثر من هذا التمزق. يستحق أن يُنظر إليه لا كغنيمة، بل كمسؤولية أخلاقية وتاريخية.ليس المهم من ينتصر في هذه الجولة، بل ما الذي سينتصر: منطق الدولة أم منطق الفوضى. وحين تُسدل الستارة على هذه المرحلة، سيبقى العراق وحده، كما كان دائمًا، مطالبًا بأن ينهض من تحت الركام، ويكتب فصله الجديد بدمٍ أقل وحكمةٍ أكثر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار


المزيد.....




- اليابان تعزز جاهزيتها العسكرية.. CNN تحصل على فرصة نادرة للا ...
- من الخيال إلى الواقع.. فارسة إماراتية تتحدى إعاقتها الجسدية ...
- أخبار اليوم: ترامب يكشف عن رغبة إيران في حل دبلوماسي
- تركيا تعلن حظر التظاهر لستة أيام في ولاية ماردين المتاخمة لس ...
- بوليتيكو: البيت الأبيض يخشى تداعيات تشدده بمكافحة الهجرة
- تونس تقترح تنظيم مؤتمر جامع لحل الأزمة الليبية
- لولا دا سيلفا يطلب من ترمب قصر مجلس السلام على غزة
- منظمة أممية: نزوح 400 أسرة في اليمن خلال 3 أسابيع
- فرنسا تحمي أطفالها.. وسائل التواصل حرام على من هم دون 15 عام ...
- حاكم مينيسوتا: لاحظت -تغيرا- في نبرة ترامب خلال مكالمة هاتفي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام