أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مثقف خارج القوائم… داخل الوجع














المزيد.....

مثقف خارج القوائم… داخل الوجع


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8590 - 2026 / 1 / 17 - 00:13
المحور: قضايا ثقافية
    


أنا لست حالةً فردية، ولا استثناءً عابرًا في دفتر الإقصاء، أنا مجرّد سطرٍ محذوف من قوائم طويلة، كُتبت بعنايةٍ شديدة كي لا ترى الثقافة وجهها الحقيقي في المرآة. مثقفٌ كامل الأوصاف، ناقص الامتيازات، غير مدرج، لا لقصورٍ في التجربة ولا لفقرٍ في العطاء، بل لأن اسمي لم يُكتَب بالحبر الذي تحبه المكاتب، ولم يُرفَق بصورةٍ مع كرسي، ولم يُغنَّ على إيقاع الولاء.مأساتي، ومأساة كثيرين مثلي، أننا ما زلنا نعتقد أن الثقافة قيمة، وأن القلم سيرة، وأن الإبداع لا يحتاج إلى واسطة، بينما الواقع يصرّ على تعليمنا درسًا قاسيًا: القائمة لا تُكتَب بالموهبة، بل بالانحناء، ولا تُحدَّث بالمنجز، بل بالتصفيق. هكذا تجد مثقفًا قضى عمره بين الكتب والصحف والمنصات الثقافية خارج المنحة، بينما يدخلها من لم يكتب جملةً دون خطأ، ولم يقرأ كتابًا دون صورة.المنحة، التي يُفترض أن تكون اعترافًا، تحوّلت إلى اختبار ولاء، ومن لا يجيد الإجابة يُترك خارج الباب، مهما كان تاريخه، ومهما كان عطاؤه. تُوزَّع الأسماء كما تُوزَّع الدعوات في حفلات العلاقات العامة، ويُقصى أصحاب الوجع الحقيقي لأنهم لا يعرفون كيف يحوّلون معاناتهم إلى إعلان. أنا هنا لا أبكي، فالمثقف تعلّم منذ زمن أن يبكي بصمت، لكني أكتب لأن الصمت صار تواطؤًا، ولأن السكوت عن العبث جريمة أخلاقية لا تقل فداحة عن الفساد نفسه.المفارقة الساخرة أن بلدًا يتغنّى بتاريخٍ علّم البشرية الحرف، يعجز اليوم عن قراءة سطرٍ نزيه. تُصرف الأموال بأرقامٍ فلكية، تتوه بين مشاريع وهمية وجسورٍ مهيأة للانهيار، فيما يُقال للمثقف: انتظر دورك. أي دور؟ دور الموت الهادئ؟ دور التهميش الأنيق؟ دور أن تكون شاهدًا على تكريم الرداءة باسم الفن؟أنا مثقف غير مدرج، لأني لم أُحوّل قلمي إلى بوق، ولم أضع وجهي في جيب السلطة، ولم أتعلم الرقص على حبال التملّق. اخترت الطريق الأصعب: أن أبقى واقفًا، حتى لو كان الوقوف مكلفًا. اخترت أن أكون شاهدًا لا ديكورًا، صوتًا لا صدى، فكرة لا منشورًا مدفوعًا.هذه ليست شكوى شخصية، بل شهادة جيلٍ كامل من الأدباء والفنانين والصحفيين الحقيقيين الذين يعيشون خارج القوائم وداخل الجوع الرمزي. جيلٍ يرى كيف يُكرَّم أشباه المثقفين، وكيف تُفتح المنصات لمن يجيد التهليل، بينما يُغلق الباب في وجه من يكتب بصدق. جيلٍ فهم متأخرًا أن الكرامة لا تُمنح، لكنها أيضًا لا تُؤكَل.
في هذا المشهد العبثي، يصبح المثقف خطرًا، لأنه يذكّر، ويسأل، ولا ينسى. لذلك يُقصى، لا لأن الدولة فقيرة، بل لأنها تخاف من المرآة. وأنا، واحدٌ من هؤلاء الذين لم يجدوا أسماءهم في القوائم، وجدوها محفورةً في الوجع. أكتب اليوم لا لأطالب بمنحة، بل لأفضح الفكرة: ثقافة بلا عدالة ليست ثقافة، ومنحة بلا كرامة إهانة، وقائمة لا ترى المبدعين الحقيقيين ليست سوى ورقةٍ أخرى في أرشيف العبث.هذا المقال لا يبحث عن شفقة، ولا يطلب امتيازًا، بل يضع إصبعًا على الجرح، ويبتسم بسخرية مرة، لأن التهكم أحيانًا هو آخر أشكال الصدق. فليكن واضحًا: المثقف الذي لم يُدرج اليوم، سيبقى شاهدًا غدًا، أما القوائم، فمصيرها دائمًا سلة النسيان.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.


المزيد.....




- -إحجام روسيا أو عجزها عن دعم حلفائها ضربةٌ لصورتها كقوة عالم ...
- قتلى وتبادل اتهامات بين دمشق و-قسد-: غرب الفرات منطقة عسكرية ...
- تظاهرات في كوبنهاغن دعمًا لغرينلاند وسط مساعٍ أميركية لفرض س ...
- -طويلة على رقبتكم-. نعيم قاسم يجدّد تمسّك حزب الله بالسلاح و ...
- بعد 25 عاما من المفاوضات... الاتحاد الأوروبي وميركوسور يستعد ...
- اعتداءات إسرائيلية متواصلة بالضفة تطال مواطنين ومتضامنين أجا ...
- كاتس يتفاخر بتدمير 2500 مبنى منذ اتفاق غزة وحماس تندد
- نعيم قاسم: وزير الخارجية لا يمثل الدبلوماسية اللبنانية
- الاحتلال الإسرائيلي يتوغل مجددا بريف درعا جنوبي سوريا
- بعد 27 يوما من ولادتها.. البرد القارس يكتب نهاية رضيعة جديدة ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مثقف خارج القوائم… داخل الوجع