أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ويكتب وجعه بكرامة














المزيد.....

مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ويكتب وجعه بكرامة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 12:20
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ أن أدرك العراقيون أن الخشبة ليست مجرد مساحة للتمثيل، بل وطنٌ بديل يُقال فيه ما لا يُقال في الساحات، ظلّ المسرح العراقي يمارس دوره بوصفه ضميراً يقظاً، لا يهادن ولا ينسحب، ينهض كل مرة من تحت الركام ليؤكد أن الفن في هذه البلاد لم يكن يوماً ترفاً، بل ضرورة وجودية. من يوسف العاني إلى عزيز خيون، ومن مختبرات بغداد إلى منصات العواصم العربية، حافظ المسرح العراقي على مكانته كصوت معرفي وجمالي، لا يكرر نفسه ولا يرضى بأن يكون تابعاً. وفي القاهرة، المدينة التي تعرف المسرح كما تعرف النيل، جاء عرض «مأتم السيد الوالد» ليعيد التذكير بأن العراق، مهما أُثقل بالجراح، ما زال قادراً على إنتاج دهشة فكرية تليق بتاريخه العربي والإنساني.لم تكن المسرحية حدثاً عابراً في مهرجان، بل كانت إعلان حضور، حضور فكرة قبل أن يكون حضور عرض. فكرة تُمسك بجذر الوجع الإنساني وتعيد مساءلته من الداخل، لا بوصفه حالة فردية، بل بوصفه نظاماً متكاملاً من الخضوع والقداسة المصطنعة. «السيد الوالد» في هذا العمل لا يُقدَّم كأب من لحم ودم، بل كرمز كثيف، كسلطة متناسلة، كذاكرة ثقيلة تُورَّث جيلاً بعد جيل، حتى يصبح الغياب أشد حضوراً من الوجود نفسه. هنا تتجلى شجاعة النص، وهنا يبرز ذكاء الاشتغال الإخراجي الذي لم يكتفِ بسرد الحكاية، بل عمل على تفكيكها، وتحويلها إلى سؤال مفتوح يُلاحق المتلقي بعد انطفاء الضوء.
مهند الهادي، مؤلفاً ومخرجاً، لم يكتب نصاً ليُستهلك، ولم يُخرج عرضاً ليُصفَّق له فقط، بل بنى رؤية متكاملة، محكومة بانضباط داخلي صارم، يذكّرك بأن الفوضى الحقيقية ليست في كسر الإيقاع، بل في تركه سائبا بلا معنى. لقد تعامل مع الخشبة بوصفها مساحة فكر، حيث كل حركة محسوبة، وكل صمت دال، وكل انتقال مدروس. لم يكن هدفه استعراض المهارة، بل توظيفها في خدمة فكرة كبرى: كيف تتحول السلطة، حين تُقدَّس، إلى مأتم دائم، وكيف يُجبر الأبناء على المشاركة في طقوس العزاء وهم لا يعرفون تماماً ما الذي ينعونه.أما الممثلون، فقد اشتغلوا بوصفهم جسداً واحداً، لا نجومية فيه ولا استعراض فردي. مرتضى حبيب قدّم شخصية مشحونة بالتناقض، رجلٌ يبدو صلباً من الخارج، لكنه مأكول من الداخل، يتكلم وكأن الكلمات أثقل من أن تُقال، ويتحرك وكأن الجسد محاصر بتاريخ لا يخصه وحده. باسم الطيب حمل عبء الصراع الداخلي بذكاء، فكان أداؤه مشدوداً، حاداً حين يجب، ومكبوحاً حين يفرض السياق ذلك. إسراء رفعت وريهام البياتي أعادتا تعريف حضور المرأة على الخشبة، ليس بوصفها ضحية باكية، بل بوصفها ذاكرة حية للخذلان، جسداً يعرف القهر ويقاومه بالصبر والوعي، صوتاً لا يعلو بالصراخ بل بالثبات. وجاء حضور طارق هاشم ليضيف طبقة رمزية أخرى، كظل ثقيل، أو كصدى لسلطة لا تختفي حتى حين تتراجع.السينوغرافيا كانت شريكاً فكرياً لا يقل أهمية عن النص والأداء. الديكور المتحرك لم يُستخدم للزينة، بل لصناعة المعنى. الأبواب الكثيرة، المسارات المتداخلة، الأريكة التي تتوسط المكان وتتحول من فراغ إلى شاهد دموي، كلها عناصر عملت على تكريس الإحساس بالمتاهة، متاهة السلطة، ومتاهة البحث عن الحقيقة.الإضاءة، بنصف وجوهها وظلالها القاسية، كشفت ما يجب كشفه، وتركت ما تبقى معلّقاً في العتمة، فيما جاءت الموسيقى كأنين داخلي، لا يفرض شعوراً بل يرافقه.بهجة النجاح التي أحاطت بالعرض في القاهرة لم تكن بهجة احتفاء شكلي، بل بهجة اعتراف. اعتراف بأن المسرح العراقي ما زال قادراً على تقديم خطاب جمالي وفكري ناضج، يلامس الأوجاع العربية دون أن يفقد خصوصيته، ويطرح أسئلته بجرأة دون أن يسقط في المباشرة. الثناء الذي عبّر عنه النقاد والمسرحيون العرب لم يكن مجاملة، بل قراءة واعية لإنجاز حقيقي، يؤكد أن هذا العمل جاء في لحظة ضرورية، وأنه استطاع أن يحوّل المأتم إلى مساحة للتفكير، والعزاء إلى فعل مقاومة رمزية.
«مأتم السيد الوالد» ليست مسرحية تُشاهد ثم تُطوى، بل تجربة تترك أثرها، لأنها لا تراهن على الدهشة العابرة، بل على الوعي المتراكم. وهي بهذا المعنى إضافة نوعية لمسيرة المسرح العراقي، ورسالة واضحة بأن هذا المسرح، الذي علّم العرب كيف يكون الفن موقفاً، ما زال حياً، قادراً على الإدهاش، ومؤهلاً لأن يكتب فصوله القادمة بثقة وجدارة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.
- الشرق الأوسط… حين تمشي الجغرافيا على حافة الفلسفة.
- بيان الكلاب


المزيد.....




- أحمد الشرع يزور برلين الثلاثاء.. وبراك: نعمل على استئناف -مف ...
- وداعا للحلم الأمريكي.. ترامب يقرر إغلاق -مخيم الأفغان- في قط ...
- النيابة الفرنسية تطلب السجن أربع سنوات للإيرانية إسفندياري ث ...
- تركيا: -سلطان أوسلطانة ليوم واحد-… سياح يعيشون التاريخ العثم ...
- ترامب عن احتجاجات إيران: عمليات القتل خلال حملة القمع تراجعت ...
- نهب تُحف السودان ودورُ فرنسا.. هل تمحو الحرب التاريخ الفرعون ...
- خيراتنا تكفينا لكن الجوع يلاحقنا، لماذا؟
- إيران: ماذا تريد واشنطن .. إسقاط النظام أم إضعافه؟
- العاهل السعودي يدخل المستشفى لإجراء فحوص طبية
- مجلس للسلام وحكومة تكنوقراط بغزة.. كيف ستمارس الحكومة عملها ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ويكتب وجعه بكرامة