أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة














المزيد.....

في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8596 - 2026 / 1 / 23 - 11:48
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أكتب هذا النص من برجٍ عاجي، ولا من ذاكرةٍ نقيّة لم تُمسّها الخسارات، بل من شقوق الروح التي رأت كيف يتحوّل الإنسان من كائنٍ له جذور إلى ظلٍّ متحرّك، ومن صاحب إرادة إلى ساحةٍ مفتوحة للضجيج. هذا زمنٌ غريب، لا يُحارَب فيه الجسد كما في الحروب القديمة، بل تُستهدف فيه الإرادة بصمت، ويُغتال فيه الانتباه دون قطرة دم، حتى يستيقظ المرء ذات صباح ليكتشف أن أفكاره لم تعد له، وأن رغباته مستعارة، وأن صوته الداخلي قد خفت حتى كاد يختفي.في إحدى الحكايات التي لا يعرف أصحابها أنهم شخصيات رمزية، كان شابٌ يجلس كل مساء أمام مرآةٍ لا تعكس وجهه، بل تعكس ما يريد الآخرون أن يروه فيه. كلما غيّر ملامحه ليرضيها، صفق له الصدى، لكنه في الليل كان يشعر بثقلٍ في صدره، كأن شيئًا ما يُنتزع منه ببطء. لم يكن يعرف أن أخطر أنواع الفقد هو أن تفقد ذاتك وأنت ما زلت حيًّا، وأن أسوأ أنواع العبودية هي تلك التي تُغلّف باسم الحرية.نحن لا نعيش أزمة فقر أفكار، بل أزمة ترتيب أولويات. الروح تُترك جائعة، ثم نندهش من شراسة الفراغ. حين ينقطع الإنسان عن منبعه الأول، لا يضيع فجأة، بل يتآكل تدريجيًا. يصبح ذكيًا بلا حكمة، نشيطًا بلا معنى، حاضرًا بلا عمق. رأيت أناسًا امتلكوا كل شيء، إلا السكينة، لأنهم خاصموا المصدر الذي يمنح الأشياء قيمتها. ليس الإيمان فكرة معلّقة في الهواء، بل هو توازن داخلي، هو أن تعرف لماذا تنهض، ولماذا تصبر، ولماذا ترفض أن تكون نسخةً رخيصة من أحد.وفي قصةٍ أخرى، كان هناك رجلٌ يزن نفسه بميزانٍ غريب، لا يعمل إلا إذا صفق له الناس. إن صمتوا، انهار. سلّم مفاتيح طمأنينته لوجوهٍ لا يعرفها، وأصواتٍ لا تعنيه. كان يظن أن رضا الجميع انتصار، ولم يفهم أن إرضاء الجميع هو أول طريق الضياع. الوعي يبدأ حين تدرك أن قيمتك لا تُقاس بعدد العيون التي تنظر إليك، بل بقدرتك على النظر في المرآة دون أن تشعر بالخجل.
أما الذين ينتظرون المزاج ليبدؤوا حياتهم، فقد رأيتهم يشيخون في محطات الانتظار. الحياة لا تكافئ الأكثر حماسًا، بل الأكثر انضباطًا. الإرادة لا تولد من الشغف، بل الشغف هو نتيجة السير الطويل. في الحكايات الكبرى، لم يصل أحد لأنه كان متحمسًا دائمًا، بل لأنه واصل المشي حتى في الأيام التي كره فيها الطريق.وفي زاوية أخرى من هذا الزمن، يجلس الانتباه مقيدًا. الشاشات لا تسرق الوقت فقط، بل تعيد تشكيل العقول. التشتت لم يعد عرضًا جانبيًا، بل أصبح أسلوب حياة. من لا يملك شجاعة أن يخلو بنفسه قليلًا، أن يسمع صوته الداخلي دون وساطة، سيبقى تابعًا، مهما ادّعى الاستقلال. القيادة تبدأ من القدرة على الصمت، من لحظة تُغلق فيها الضجيج لتسمع الفكرة وهي تتكوّن.
كم من شابٍ ظنّ أن المظهر اختصار الطريق، فأنفق عمره في تلميع القشرة، ونسي أن الهيبة الحقيقية تنبع من الداخل. الأشياء اللامعة تخطف النظر، لكنها لا تحترم العقل. الفكر وحده هو الذي يصنع حضورًا لا يبهت، ومكانة لا تهتز، حتى حين تتغير الأزمنة.ثم هناك العجلة… ذلك المرض العصري. يريدون كل شيء الآن، فورًا، بلا صبر ولا نضج. لا يعلمون أن الأشياء العظيمة لا تأتي راكضة، بل تُختبر أولًا. من لم يتعلّم الانتظار، لن يعرف قيمة الوصول. بناء الذات ليس تطبيقًا يُحمّل، بل رحلة تُعاش، بخساراتها قبل مكاسبها.القوة، في جوهرها، ليست صراخًا ولا استعراضًا. القوة أن تملك زمام نفسك حين يفقد الآخرون السيطرة. أن تبدأ من الداخل، حيث لا كاميرات ولا تصفيق، ثم تترك الأثر يتكلم عنك. هذا المقال ليس خطابًا أخلاقيًا، بل وجعٌ مُحبّ، ومحاولة أخيرة لطرق باب الوعي في زمنٍ يُغلق فيه الناس أبواب عقولهم طوعًا.إن لم تستيقظ اليوم، فلن توقظك كل الضربات غدًا. الوعي ليس ترفًا، بل ضرورة للبقاء إنسانًا.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش


المزيد.....




- صيادون يواجهون قرشًا أبيض عملاقًا وينهون المعركة بشكل غير مت ...
- تذكارات وهدايا من اليابان.. أبرزها جوارب مخططة بدولارين
- يتلقى الرعاية على مدار الساعة.. نجم الروك البريطاني فيل كولي ...
- زيلينسكي يُقدّم تفاصيل عن الوفد الأوكراني المشارك في محادثات ...
- صور مسربة لقتلى من مظاهرات إيران | بي بي سي تقصي الحقائق
- - كل حماية يجب أن تدفع نقدا-.. ترامب والنظام العالمي الجديد ...
- ما الذي تكشفه الخلافات بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين؟
- ميزانية 2026: حكومة لوكورنو تنجو من مذكرتين لحجب الثقة أمام ...
- قبيل محادثات في أبوظبي.. روسيا تطالب بمنطقة دونباس، فهل ستست ...
- فيرونيكا، بقرةٌ موهوبة تستعمل أداة لحكّ جسمها.. هل لذكاء الح ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة