أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.














المزيد.....

العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:55
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر على الأوطان من لحظة يسلَّم فيها العقل طواعيةً، ويُعلَّق على مشجب العمامة المسَيَّسة، أو يُرمى في مستنقع الذباب الإلكتروني الذي لا يعيش إلا على التعفين، ولا يحلّق إلا فوق الجراح المفتوحة. في تلك اللحظة تحديدًا، لا يعود الدم دمًا، ولا يصبح القتل جريمة، بل يُعاد تعريفه بوصفه “واجبًا”، وتُغسل الخطيئة بماء الخطاب الديني المزيّف، وتُمنح القداسة لمن لا يستحق سوى المساءلة.العراق، هذا البلد الذي خُلق من تنوّعٍ جغرافي وروحي وإنساني نادر، لم يكن يومًا مشكلة طوائف أو قوميات، بل ضحية مشاريع. مشاريع أدركت مبكرًا أن أخطر ما في العراقي هو عقله حين يفكّر، فعملت على تعطيله، لا عبر القمع وحده، بل عبر إغراقه بخطابات جاهزة، تُفكّر عنه، وتُكفّر باسمه، وتقتله ثم تطلب منه أن يشكر قاتله.منذ السنوات الأولى لما بعد الاحتلال، بدأ المشهد يتشكّل بوضوح لمن أراد أن يرى. لم يكن الصراع صراع “مقاومة” خالصة كما روّج له البعض، ولا “تحريرًا” كما ادّعاه آخرون، بل كان في جوهره صراعًا على العراق نفسه: على وعيه، وعلى ذاكرته، وعلى مستقبله. وبين من قاوم الاحتلال فعلًا دفاعًا عن الأرض والكرامة، وبين من اتخذ المقاومة غطاءً للقتل الطائفي وتصفية الحسابات، سال دم كثير، وارتُكبت جرائم لا يمكن تبريرها بأي نص أو شعار.احترقت الجوامع، ودُنّست المصاحف، وقُتل المصلّون في بيوت الله، في بعقوبة وبهرز والإمام ويس وغيرها، لا لأن الله أراد ذلك، بل لأن الجهل حين يتسلّح يتحوّل إلى وحش. امتلأت الأسواق بالجثث، وصارت الشوارع تعرف أسماء القتلى أكثر مما تعرف أسماء الأحياء. وفي سبايكر، والسدة، والصقلاوية، كُتبت فصول سوداء من تاريخ العار الإنساني، حيث تبارى الإرهاب الداعشي من جهة، والمليشياوية الطائفية المدعومة من إيران من جهة أخرى، في إنتاج الموت، كلٌّ باسم “قضية”، وكلٌّ وفق رؤيته التي لا ترى الإنسان أصلًا.اليوم، وبعد أن تكشّفت الوقائع، وسقطت الأقنعة، لم يعد العمى إلا اختيارًا. لم يعد الجهل بريئًا، ولا الصمت حيادًا. من لا يرى أن الخطاب الديني الذي لا ينتج سلامًا هو خطاب فاسد، ومن لا يدرك أن العمامة حين تتحوّل إلى أداة سياسية تفقد معناها الروحي، فهو شريك – شاء أم أبى – في استمرار المأساة.
إن الله، حين خاطب الإنسان، لم يقل له: عطّل عقلك واتبع، بل قال: أفلا تعقلون؟ أفلا تتفكرون؟، فكيف نقبل أن يُختزل الدين في فتاوى جاهلة، أو أن يُختطف الإيمان لصالح أجندات فارسية أو خارجية أخرى لا ترى في العراق إلا ساحة نفوذ؟ وكيف نمنح قدسية لرجال لم يتفقهوا في الدين، ولم يقدّموا للناس سوى خطاب الكراهية والتكفير؟
إن الذباب الإلكتروني، الذي يعمل ليل نهار على تمزيق النسيج العراقي، ليس ظاهرة عفوية، بل أداة. أداة لتغذية الشك، وبث السم، وتحويل الخلاف السياسي إلى عداوة وجودية. مواجهته لا تكون بالصراخ، بل بالوعي، وبالرفض الصريح، وبإعادة الاعتبار للعقل بوصفه أعلى أشكال العبادة.لقد دفع العراقيون ثمن القهر مضاعفًا: قهر الاحتلال، وقهر وكلائه المحليين، وقهر الفساد الذي تخرّج – بكل طوائفه ومذاهبه – من “حفّة سبّتنك واحدة”، لا يصلح منها أحد للحكم أو الوصاية. فاسدون يلبسون عباءة الدين حينًا، وراية الوطنية حينًا آخر، وهم في الحالتين ينهبون، ويقتلون، ويزوّرون الوعي.إن الدعوة اليوم ليست إلى ثورة دم، بل إلى ثورة عقل. إلى توحّد العراقيين، بكل أطيافهم، لبناء دولة لا تُدار بالفتوى، ولا تُختطف بالتغريدة المسمومة، ولا تُحكم بالولاء للخارج. دولة يُحاسَب فيها الفاسد مهما كان مذهبه، ويُجرَّد فيها رجل الدين من قدسية السياسة، ويُعاد للدين مكانه الأخلاقي، لا المليشياوي.
ارفضوا وصاية العمامة حين تسيّس، ولا تمنحوها قداسة لا تستحقها. ارفضوا الجهل، لأن الجهل هو الوقود الأول للحروب الأهلية. لا تقدّسوا إلا العلم، ولا تتبعوا إلا سبيل العقل السليم. فالعراق لا يحتاج أوصياء، بل مواطنين أحرار، يدركون حجم الخطر، ويتّعظون مما جرى، ويصرّون على ألا يتكرّر.هكذا فقط، يمكن لهذا البلد الجريح أن ينهض. لا بثأر جديد، بل بوعي جديد. لا بإقصاء طائفة، بل بإقصاء الطائفية نفسها. لا بعمامة مفروضة، بل بعقل متفكّر، يعرف أن السلام ليس ضعفًا، بل أعلى درجات الشجاعة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...


المزيد.....




- تسارعت السيارة لوحدها.. تصادم مفاجئ وحريق قاتل يودي بحياة رج ...
- هجوم روسي جديد يترك نصف مباني كييف بلا تدفئة
- سوريا: من يتحمل مسؤولية -انهيار- المفاوضات بين دمشق والقوات ...
- وفاة فالنتينو غارافاني أيقونة الموضة الإيطالية وصديق النجوم ...
- السلطات اليمنية المدعومة سعوديا تتهم الإمارات بإدارة سجون سر ...
- هبوط مرعب بأورلاندو.. طائرة أميركية تفقد عجلتها الأمامية وتن ...
- الجزيرة ترصد معاناة المرضى الفلسطينيين المحتاجين للعلاج بالخ ...
- أدرجته اليونسكو على قائمة التراث غير المادي.. تعرف على -الدا ...
- وزيرة خارجية فنلندا للجزيرة: نرفض المساس بسيادة غرينلاند
- مرضى السكتات الدماغية يستعيدون قدرتهم على الحديث بفضل هذا ال ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.