أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط














المزيد.....

حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 14:28
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق الذي لم يعرف يومًا معنى السكون، تتحرك الجيوش كما تتحرك الأفكار في العقول المذعورة، ببطءٍ ظاهري يخفي تسارعًا داخليًا، وبهدوءٍ دبلوماسي يخبئ في جوفه ضجيج المدافع المؤجلة. ما يجري اليوم ليس مجرد استعراض قوة أو تبدّل تكتيكات، بل إعادة كتابة صامتة لخرائط النفوذ، حيث تتحول الدول إلى جملٍ في خطاب عالمي أكبر، وتصبح الجبهات رسائل، والعقوبات لغة، والنفط فاصلةً تحدد معنى الجملة ومصيرها.في سوريا، لم تنتهِ الحرب، بل تغيّرت لهجتها. النار التي خفّ وهجها لم تنطفئ، بل أُعيد ترتيبها تحت رماد التسويات الهشّة. الوجود العسكري المتعدد الجنسيات لم يعد طارئًا بل صار جزءًا من المشهد، وكأن البلاد تحوّلت إلى مختبر مفتوح لتوازنات القوى، حيث لا منتصر نهائيًا ولا مهزوم كامل، بل دولة معلّقة بين إرادات الخارج وإرهاق الداخل. أما لبنان، فيقف على حافة الانهيار وهو يُدار بمنطق “اللاحرب واللاسلم”، حيث السلاح لا يُستخدم لكنه حاضر، والاقتصاد ينهار بلا قذائف، والسياسة تتحول إلى فن إدارة العجز، في انتظار شرارة قد تأتي من الجنوب أو من قرار دولي يرى في الفوضى أداة ضغط لا أكثر.وفي السودان، تبدو البنادق أكثر وضوحًا من الكلمات. صراع السلطة هناك ليس محليًا خالصًا، بل مرآة لتدخلات إقليمية ودولية تبحث عن موطئ قدم في بلد غني بالموارد وفقير بالاستقرار. الحرب السودانية تقول لنا إن العالم لم يعد يخجل من ترك الدول تنزف طويلًا ما دام النزيف لا يهدد مركز النظام العالمي مباشرة، وما دام الذهب والموانئ وخطوط التجارة قابلة للتقاسم لاحقًا.أما الخليج، السعودية والإمارات، فيمثلان نموذجًا مختلفًا للصراع؛ صراع بلا دبابات في الشوارع، بل بحسابات دقيقة بين الانفتاح والحذر. هنا تُدار القوة عبر الاقتصاد، والاستثمار، والتحالفات الذكية، مع إدراك عميق بأن أي حرب شاملة في المنطقة ستكون كلفتها أكبر من أي انتصار محتمل. ومع ذلك، فالحذر لا يعني البراءة، فالدول الكبرى في الإقليم باتت تلعب دور الموازن بين واشنطن وبكين وموسكو، محاولةً أن تكون جزءًا من الحل لا ساحةً للصدام، وإن كانت تعرف أن التاريخ لا يترك أحدًا خارج لعبته طويلًا.الأردن والعراق يقفان في المنتصف، وهما يعرفان خطورة هذا الموقع. الأردن يحاول أن يكون دولة العازل لا دولة المواجهة، محافظًا على استقراره كقيمة استراتيجية بحد ذاتها، فيما العراق، المثقل بالجراح والتجارب، يجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة. الفصائل، الدولة، النفوذ الإيراني، الحضور الأمريكي، كلها عناصر في معادلة معقدة تجعل من بغداد ساحة اختبار دائمة لإرادة السيادة وحدودها. وهنا تحديدًا يظهر “العصا” التي يحملها مبعوثو واشنطن، ومنهم مارك سافيا، عصا الحصار الاقتصادي والضغط المالي، كأن التاريخ لم يبتكر وسيلة أخرى للعقاب سوى تجويع الشعوب باسم السياسة.
وفي مشهد بالغ الرمزية، يعود دونالد ترامب ليحتفي بعملة تحمل صورة الرئيس العراقي السابق صدام حسين، لا بوصفها حنينًا بقدر ما هي رسالة. الرسالة ليست لصدام الغائب، بل للمنطقة بأسرها: هكذا تكون نهايات من يتحدّى النظام العالمي خارج شروطه. إنها لغة الإيحاء لا التصريح، ولغة الذاكرة المُستثمرة سياسيًا، وكأن واشنطن تقول إن التاريخ يمكن إعادة استدعائه كأداة تهديد، وإن الرموز الميتة قد تُستخدم لتخويف الأحياء.كل ذلك يتقاطع مع تصعيد الحديث عن مواجهة محتملة مع الفصائل المسلحة وإيران، ومع تكهنات تتردد همسًا وجهارًا عن مستقبل القيادة الإيرانية نفسها. الحديث عن رحيل خامنئي ليس نبوءة بقدر ما هو تعبير عن رغبة غربية قديمة في رؤية طهران أقل تماسكًا، وأكثر قابلية لإعادة التشكيل. لكن إيران، بخبرتها الطويلة في الصبر الاستراتيجي، تدرك أن المواجهة ليست دائمًا في إطلاق النار، بل في إطالة أمد اللعبة حتى يملّ الخصم أو يخطئ.في المقابل، يقف الاتحاد الأوروبي موقف القلق المتردد؛ بيانات دبلوماسية، دعوات للتهدئة، وخوف حقيقي من أن أي انفجار كبير في الشرق الأوسط سيعني موجات لجوء جديدة، وأزمات طاقة، وتصدعًا إضافيًا في اقتصادات لم تتعافَ بعد. أوروبا لا تملك رفاهية الحرب، لكنها أيضًا لا تملك قدرة حقيقية على منعها، فتكتفي بدور الشاهد القلق الذي يدوّن ملاحظاته على هامش المشهد.أما الصين وروسيا، فتنظران إلى كل ذلك بعيون مختلفة. بكين ترى في الفوضى فرصة لإعادة ترتيب مسارات الطاقة والتجارة بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية، وتفضّل اللعب بهدوء التاجر لا صخب الجنرال. موسكو، المنغمسة في صراعاتها الخاصة، لا تزال ترى في الشرق الأوسط ساحة ضرورية لإثبات أنها لاعب لا يمكن تجاوزه، وأن زمن القطب الواحد لم يعد قدرًا محتومًا.
وسط هذا كله، يظل النفط هو النص الخفي الذي يُقرأ بين السطور. مصيره ليس مسألة اقتصاد فحسب، بل سياسة وحرب وسلام. أي اضطراب كبير في الإمدادات سيعيد العالم إلى لغة قديمة، لغة التحالفات القسرية والتدخلات المباشرة. ومن هنا نفهم لماذا تبدو فنزويلا، البعيدة جغرافيًا، حاضرة في الحسابات؛ نفطها المعاقَب قد يصبح ورقة بديلة، وأزمتها المستمرة مثال آخر على كيف يُستخدم الاقتصاد كسلاح طويل الأمد.إن ما نعيشه اليوم ليس لحظة عابرة، بل طورًا جديدًا من أطوار الصراع العالمي، حيث لم تعد الحروب تُعلن ببيانات رسمية، بل تبدأ بإشارة، أو بعقوبة، أو بصورة على عملة قديمة. الشرق الأوسط يقف مرة أخرى في قلب هذه المعادلة، لا لأنه اختار ذلك، بل لأن الجغرافيا لا تملك حق الاعتذار. وما بين العصا الأمريكية، والصبر الإيراني، والقلق الأوروبي، والبراغماتية الصينية، والرهان الروسي، يبقى السؤال مفتوحًا: هل نحن على أعتاب حرب شاملة، أم على حافة تسوية كبرى تُولد من رحم التهديد؟ في هذا الشرق، غالبًا ما تأتي الإجابة متأخرة، بعد أن يكون السؤال قد كُتب بالنار.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة
- حين يتحوّل العيد إلى مرآة للانهيار
- فلسفة الذيول حين تظنّ أنها تاريخ
- قارئة الخيانة
- من ذي قار إلى ضمائر الزمن: حين يتقدّم الوفاء على العروش
- بين عامٍ يَغيب وعامٍ يَقدِم… خرائطُ الرماد وامتحانُ المعنى
- حينما يجرح الحرفُ وجهَ المقدّس — تأملات في جحيم الحرية الأدب ...
- حين يُنقِذ الفنُّ الذاكرة من الركام.


المزيد.....




- هل هناك خلاف بين أفراد عائلة بيكهام؟.. ابن الزوجين الشهيرين ...
- فيديو لحادث تصادم ضخم بين أكثر من 100 سيارة وشاحنة في ولاية ...
- الداخلية السورية: نتعقب عناصر داعش الفارين بعد هروبهم من سجن ...
- الجمل: “التفاوض الجاد أقصر طريق للاستقرار”.. توقيع اتفاقية ع ...
- ترامب يهين ماكرون بنشر رسالته، ماذا بعد؟
- ترامب: العالم لن ينعم بالأمن طالما أن غرينلاند ليست بين أيدي ...
- السياسة العربية لإدارة ترامب2 بين الواقعية ودبلوماسية الصفق ...
- مشهد نادر في الجزائر.. الثلوج تغطي الكثبان الرملية في النعام ...
- تركيا: بلدة فان الحدودية تتحول إلى ملاذ لمواطنين إيرانيين فر ...
- الروبوتات الصينية تصل مصانع -إير باص- في أحدث صفقاتها


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط