أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يجلد نفسه بنفسه














المزيد.....

جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يجلد نفسه بنفسه


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 15:49
المحور: قضايا ثقافية
    


كان العراق، ذات زمنٍ ليس سحيقًا ولا أسطوريًا، مختبرًا للأخلاق قبل أن يكون ساحةً للسياسة، وكان يُدرِّس العالم درسًا غريبًا اسمه: كيف تُدار الحياة بلا وعظ، وكيف يُصان العرض بلا كاميرات، وكيف تُحترم الدولة حين يكون الخجل أقوى من القانون.أما اليوم، فنحن أمام عرضٍ مسرحيٍّ طويل، بلا استراحة، وبلا رقابة، وبلا جمهورٍ بريء؛ عرضٍ تتبدّل فيه الأقنعة، لكن الممثل واحد، والفضيحة واحدة، والسقوط جماعي.في هذه الجمهورية الجديدة، لا تُدار الدولة بالعقول، بل بالأهواء، ولا يُقاس الرجال بمواقفهم، بل بقدرتهم على التلوّن. ترى الوجوه نفسها، تتحدّث عن الفضيلة صباحًا، وتمارس نقيضها ليلًا، ثم تعود لتطالب الناس بالصبر، وكأن الصبر صار واجب الفقراء وحدهم، وكأن الأخلاق وظيفة يُسرَّح منها متى ما تعارضت مع المصالح.صار التسوّل نظامًا إداريًا لا يقلّ انضباطًا عن الوزارات.هناك سيارات توزيع، ومناطق نفوذ، وسقوف أرباح، وعقوبات على من لا يُنجز “الخطة اليومية”.الطفل لم يعد ابنًا، بل أصلًا ثابتًا، والمرأة لم تعد أمًا، بل واجهةً استثمارية، والعاهة لم تعد قدرًا، بل ميزة تنافسية في سوق الشفقة.نحن لا نشاهد مشهدًا اجتماعيًا، بل فيلمًا رديئًا يُعاد إنتاجه يوميًا، نسخة أكثر قسوة من كوميديا عادل إمام، لكن بلا ضحك، لأن الضحك هنا خيانة للكرامة.أما المخدرات، تلك الكلمة التي كانت تُقال همسًا كما تُقال الشتيمة في بيتٍ محترم، فقد صارت تُقال علنًا، وتُزرع، وتُصنّع، وتُسوّق، وتُحمى بخطابٍ أيديولوجيٍّ بائس.العالم كلّه يحاول إطفاء هذا الوباء، ونحن قررنا—بعبقرية الخراب—أن نحوّله إلى هوية اقتصادية، وأن نُلبسه عباءة “المقاومة” مرة، وراية “الجهاد” مرة، وأن نغيّر اسمه كلما انكشف، بينما الجوهر ثابت: تدمير الإنسان بدمٍ بارد.تتبدّل المسميات بين داعش والمليشيات، لكن المموّل واحد، والضحايا هم أنفسهم: شباب بلا مستقبل، ومدن بلا أعصاب، ودولة بلا خجل.
ثم جاءت التكنولوجيا، لا كنعمة، بل كفخٍّ ذكي.الهاتف المحمول لم يعد وسيلة تواصل، بل صندوق أسرار موقوت.صرنا نُصوّر ما كان يُصان، ونحفظ ما كان يُنسى، ونوثّق ما كان يُغطّى بستار الحياء.
أي جنونٍ هذا الذي يدفع زوجًا أو زوجة إلى تحويل العلاقة الحميمة إلى ملف قابل للتسريب؟أي عقلٍ هذا الذي يظن أن الخصوصية آمنة في جيبٍ قد يُسرق، أو هاتفٍ قد يُفقد، أو يدٍ قد تخون؟وحين تقع الكارثة، لا نسأل أنفسنا: لماذا صوّرنا؟ بل نسأل: من نشر؟ وكأن الفعل الأول بريء، وكأن المجتمع لم يتدرّب يوميًا على فضح نفسه بنفسه.نحن المجتمع الذي كان يعلّم غيره معنى الستر، فإذا بنا نمارس الهتك كهواية، ونروّج له كترند، ونبكي عليه كمأساة.نلعن الرذيلة بألسنتنا، ونمنحها المشاهدات بأصابعنا، ثم نستغرب لماذا تتكاثر.الملاهي تُدار بعمائم، وتُحمى بأحزاب، وتُبارك بخطابات مزدوجة، ثم نتساءل بوقاحة مصطنعة: إلى أين نمضي؟قتلوا الأشباح، وهدموا البيوت، وكسّروا العائلة، ثم وقفوا خطباء على أنقاض الأخلاق، ينعون ما شاركوا في دفنه.ليس الجميع، نعم، ولن يكون.
لكن الكارثة ليست في وجود الفساد، بل في شعبيته، وفي التفاعل معه، وفي تحوّله إلى مادة ترفيهية.حين يصبح الانحراف “محتوى”، والفضيحة “سبقًا”، والسقوط “حرية شخصية”، فاعلم أن المجتمع لا يمرض، بل يتواطأ مع مرضه.
لسنا بحاجة إلى دولة ملائكة، ولا إلى مجتمع بلا خطايا، فذلك وهم طفولي.
نحن بحاجة فقط إلى واحد بالمئة من أخلاق الإسلام، لا من شعاراته، واحد بالمئة من الصدق، لا من خطب المناسبات، واحد بالمئة من الشجاعة الأخلاقية التي تقول: كفى.فالأمم لا تنهار حين تخطئ، بل حين تبرّر خطأها، ولا تموت حين تضعف، بل حين تسخر من القيم وتصفّق للهاوية.هذا المقال قاسٍ، نعم، لكنه ليس قسوة على الناس، بل على الوهم.
سخريته ليست شماتة، بل صفعة، وتهكّمه ليس استعلاءً، بل محاولة أخيرة لإيقاظ مجتمع يصرّ على النوم في حضن الخراب.فإن لم نصحُ اليوم، سنصحو غدًا على تاريخ يُكتب عنا بلا رحمة، وسيسألنا القادمون: كيف سقطتم؟وسنجيب—إن بقي فينا صوت—سقطنا لأننا ضحكنا طويلًا على ما كان يجب أن نبكيه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش
- الجيش… حين كان الوطن واقفًا على قدميه
- تَشَرُّخ
- سقوطُ التهديد حين يُعرّي الزمنُ أوهامَ السلطة


المزيد.....




- تحولت العربة الى كتلة لهب.. لحظة اشتعال قطار ركاب أوكراني اس ...
- الكرملين: محادثات أمريكا وروسيا وأوكرانيا ستُستأنف في أبوظبي ...
- عضو الكونغرس الأمريكي إلهان عمر تتعرض لهجوم بمادة مجهولة خلا ...
- -لأسباب أمنية-: إسرائيل تمنع دخول الصحفيين الأجانب إلى غزة ر ...
- -البطريق الوحيد- ... الحقيقة على مذبح الترند
- الحكومة الإسبانية تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غير ...
- ماكرون يستقبل رئيسي وزراء غرينلاند والدانمارك
- ترامب يعتبر انتخاب نوري المالكي -خيار سيئ للغاية-
- نوري المالكي: نرفض رفضا قاطعا التدخل الأمريكي
- إسبانيا: الحكومة تعتزم تسوية أوضاع نحو نصف مليون مهاجر غيرنظ ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يجلد نفسه بنفسه