أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة














المزيد.....

خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8607 - 2026 / 2 / 3 - 14:50
المحور: قضايا ثقافية
    


في بلادٍ تعلّمتْ كيف تؤجِّلُ كلَّ شيءٍ إلّا الوجع، صار راتبُ المتقاعد وعدًا مؤجَّلًا، يشبهُ موعدَ المطر في صيفٍ عراقيٍّ عنيد. لا يُلغى صراحةً، ولا يأتي. يُترك معلقًا بين تبريرٍ رسميٍّ وبيانٍ مُنمَّق، كتمرةٍ تُلوَّح بها السلطة من بعيد لتبقى الأفواه مشغولةً بالانتظار لا بالسؤال.يقولون: لا سيولة.
وكأن السيولة كائنٌ غامضٌ هرب من الخزائن، لا أثر له في موائد السفر والوفود، ولا ذكر له في مزادات الصمت ولا في حفلات التوقيع. السيولة وحدها تختفي حين يصل الدور إلى الشيخ الذي أكلتْهُ الخدمة، والمعلم الذي أذاب صوته في الصفوف، والجندي الذي سلّم شبابه لحدودٍ لا تعترف بالأسماء. أمّا حين تُفتح الأبواب لغيرهم، فالسيولة تجد طريقها، تمشي على سجادٍ أحمر، وتبتسم للكاميرات.في الموروث يُقال: من شبّ على شيء شاب عليه.وقد شاب هذا البلد على عادة التسويف، حتى صار التسويفُ سياسةً ناعمةً، تُمارَسُ بلا عنفٍ ظاهر، لكنها أشدُّ وقعًا من العصا. لأن العصا تُوجِعُ مرة، أمّا الانتظار فيُوجِع كل يوم. راتب المتقاعد ليس منحةً ولا صدقةً، بل هو دينٌ في ذمة الدولة. والدَّينُ، كما يقول الحكماء، إذا طال صار عارًا.الفلسفة تُخبرنا أن العدالة ليست فكرةً معلّقة في السماء، بل ممارسةٌ أرضية. فإذا توقفتْ عند باب المتنفّذ، وواصلتْ طريقها نحو الفقير فقط، صارت كفًّا واحدةً تصفق، وصار التصفيق ضجيجًا بلا موسيقى. هنا لا تُسرق الأموال فحسب، بل تُسرق المعاني: معنى الخدمة، معنى القانون، معنى الوطن. ويُستبدل كل ذلك بقاموسٍ جديد: “تفهّموا الظروف”، “اصبروا قليلًا”، “الدولة تمرّ بضائقة”. كأن الضائقة لا تزور إلا بيوت الذين لا أبواب لهم.يقال: إذا فسد الملح، فبماذا نُملّح؟وفي بلدٍ يُعلّق الملح على الجدران كتعويذة، تُترك الجراح بلا تطهير. يُقال للناس إن الخزينة فارغة، بينما الذاكرة ممتلئة بأسماءٍ وملفاتٍ وفضائح، لو نُبشتْ لامتلأت الخزائن من جديد. لكن الحفر في الحقيقة يحتاج شجاعة، والشجاعة عملة نادرة في أسواق الخطابة.المتقاعد لا يطلب فلسفةً، ولا بيانًا، ولا صورةً على شاشة. يطلب أن لا يُقايَض عمره بورقة تأجيل. يطلب أن لا يُختزل تاريخه في رقم انتظار. في أمثالنا: اللي ما له أوّل ما له تالي. وأوّل هذا البلد هو هؤلاء الذين خدموه بصمت. فإذا ضاع الأول، ضاع التالي، وصار المستقبل ابنًا غير شرعي للحظة فساد.
العالم، حين يريد، يُسقِطُ رئيسًا بفضيحة واحدة، ويجعل القانون أعلى من الكرسي. أمّا نحن فنُتقن فنّ التعايش مع الفضيحة، حتى تصير الجريمة خبرًا عاديًا، والعدالة قصةً تُحكى للأطفال قبل النوم. نُقنع أنفسنا أن الصمت حكمة، وأن الخوف تعقّل، وأن السؤال فتنة. مع أن الحكمة تقول: الساكت عن الحق شيطان أخرس، والخرس لا يبني دولة.ليس انعدام السيولة هو المشكلة، بل انعدام الخجل. ليس تأخير الرواتب أزمة مالية، بل أزمة معنى. حين تُؤجَّل حقوق الضعفاء، تُسرَّع نهايات الأوطان. وحين يُطالَب المتقاعد بالصبر، يُطالَب الوطن بالنسيان. لكن الأوطان لا تنسى، بل تُراكم، حتى يأتي يوم الحساب، ولو طال الطريق.وفي الختام، ليس هذا المقال شكوى، بل مرآة. من نظر فيها ورأى نفسه، فليُصلح قبل أن ينكسر الزجاج. فالزمن، كما يقول المثل، دوّار، ومن اعتاد أن يؤجّل حقوق الناس، سيجد يومًا أن التاريخ لا يمنح مهلة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد


المزيد.....




- إليكم ثلاثة مصطلحات استخدمتها CNN للبحث في 3 ملايين صفحة من ...
- ليدي غاغا تتحوّل إلى -ساحرة- في إطلالات حفل جوائز غرامي
- فيديو لـ-لحظة خروج صواريخ باليستية من مخازنها في إيران-.. ما ...
- -من جنسيات عربية-.. وزير الداخلية الكويتي يشرف على ضبط -تشكي ...
- حريق غامض في قلب طهران والدخان يغطي أحياء واسعة.. ما الذي حد ...
- فرح ودموع في غزة مع عودة فلسطينيين إلى القطاع بعد فتح معبر ر ...
- قصف روسي جديد يهز كييف بعد وساطة ترامب.. وزيلينسكي يتهم موسك ...
- البرازيل: آلاف في ريو دي جانيرو يحيون طقوس تكريم إلهة البحر ...
- أخبار اليوم: محكمة تونسية تشدد أحكاما بالسجن على معارضين
- فضيحة إبستين ـ ميركل وحزب -البديل- ضمن وثائق التحقيق


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة