أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حقيبةٌ أثقلُ من الوطن














المزيد.....

حقيبةٌ أثقلُ من الوطن


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8605 - 2026 / 2 / 1 - 01:16
المحور: قضايا ثقافية
    


لم أغادر البلاد، البلاد هي التي غادرتني أولًا، تركتني واقفًا عند حافة الاسم، أحمل جوازًا لا يعرفني، وذاكرةً تصرّ على مناداتي بلهجتها القديمة. قلتُ لنفسي وأنا أعبر المطار: هذه ليست هجرة، هذا تمرينٌ قاسٍ على النسيان. لكن النسيان، كعادته، كان أكثر إخلاصًا لأعدائي.في الغربة تتبدّل المقاييس. يصبح الوطن وزنًا زائدًا في حقيبةٍ محدودة السعة، ويصير الألم عملةً صالحةً للصرف في كل المقاهي. هناك، في المدن التي تلمع أكثر مما تحتمل القلوب، تعلّمتُ أن أبتسم كي لا أُسأل، وأن أصمت كي لا أُتَّهم بالحنين.الحنين جريمة غير مكتوبة، عقوبتها نظرات الشفقة وابتسامات الموظفين.كنتُ أعمل لأعيش، وأعيش لأعمل، وفي الفواصل الصغيرة بين الراتب والراتب كنتُ أستعيد نفسي كما تُستعاد صورةٌ قديمة من هاتفٍ مكسور. قالوا لي: هنا النظام يحميك. ولم يقولوا إن النظام لا يعرف كيف يربّت على كتفك حين تنهار. قالوا: الفرص متاحة. ولم يقولوا إن الفرصة تحتاج لغةً تُنطق بلا ارتعاش، واسمًا لا يُساء فهمه، وتاريخًا نظيفًا من الحروب.تركتُ الأهل لا لأنني شجاع، بل لأن البقاء كان يحتاج شجاعةً أكبر. تركتُ الأم وهي تُخفي دمعتها في منديلٍ أبيض، كأنها توقّع وثيقة فراقٍ بلا شهود. تركتُ الأب وهو يسلّمني صوته بدل النصيحة. تركتُ الشارع الذي يعرف خطواتي، والمقهى الذي يحفظ طلبي قبل أن أجلس. في الغربة لا أحد يحفظك؛ عليك أن تعرّف نفسك كل صباح، وأن تبرّر وجودك كل مساء.السخرية كانت درعي الوحيد. حين يسألونني: من أين أنت؟ أجيب: من مكانٍ لا يظهر على خرائط الطمأنينة. وحين يسألون: ماذا تعمل؟ أقول: أعمل على ترميم نفسي، وفي الوقت المتبقي أشتغل أيّ شيء. أضحك، لأن الضحك هنا لغةٌ مشتركة، لا تحتاج إلى قاموس. أضحك لأخفي الفجوة بين ما كنتُ أحلم به وما صرتُ أؤجّله.في ليالي الغربة، تتقدّم الفلسفة بلا استئذان. أسأل نفسي: هل الإنسان مجموع اختياراته أم حصيلة اضطراره؟ هل الحرية أن تختار، أم أن تنجو؟ أجدني أؤمن بأن الحرية في الهجرة تشبه النافذة: تمنحك هواءً مختلفًا، لكنها لا تضمن لك دفئًا. وأن الوطن، حين يضيق، يتحوّل إلى فكرةٍ جارحة، وحين يبتعد، يصبح أسطورةً مُريحة.كنتُ أرى المهاجرين مثلي يتقاطعون في الشوارع بلا تحية. كلٌّ يحمل مأساته في جيبٍ داخلي. نتشابه في التعب ونختلف في الحكايات. بعضنا هرب من رصاصة، وبعضنا من فقرٍ أنيق، وبعضنا من انتظارٍ بلا نهاية. نتفق جميعًا على شيءٍ واحد: أننا صرنا خبراء في البقاء، مبتدئين في الفرح.السخرية تضحك حين أكتشف أنني صرتُ “قصة نجاح” في عيون البعيدين، و“قلقًا” في عيون القريبين. النجاح هنا صورةٌ بلا صوت، والقلق هناك صوتٌ بلا صورة. بينهما أتنقّل، أوازن قلبي كي لا يسقط. أكتب لأتذكّر أنني ما زلتُ حيًّا، وأن اللغة قادرة على أن تمنحني وطنًا مؤقتًا، ولو على الورق.الهجرة لا تسرقك دفعةً واحدة؛ تفعل ذلك على مراحل. تسرق لهجتك أولًا، ثم ذاكرتك اليومية، ثم قدرتك على الغضب. وفي النهاية، تترك لك قطعةً صغيرة من نفسك لتعتني بها، كوصيّةٍ أخيرة. تعلمك أن تحبّ بحذر، وأن تحلم بميزانية، وأن تشتاق بلا ضجيج.
ومع ذلك، لا أندم. الندم رفاهية من لم يُحاصر. أقول هذا وأنا أعترف بأنني تعبت. التعب ليس عيبًا، بل دليل طريق. تعبتُ لأنني حملتُ أكثر مما ينبغي، ولأنني صدّقتُ أن النجاة سهلة. لكنها لم تكن سهلة، كانت ممكنة فقط.في آخر الليل، حين يهدأ كل شيء، أضع الحقيبة قرب السرير، لا لأرحل، بل لأتذكّر. أتذكّر أنني ابن مكانٍ علّمني الصبر، وابن غربةٍ علّمتني السخرية، وأنني ما زلتُ أبحث عن صيغةٍ عادلة تجمعهما دون أن تكسِرني. ربما الوطن ليس أرضًا، وربما الغربة ليست مكانًا، وربما أنا مجرد إنسان يحاول أن يكتب نفسه كي لا يضيع.
هذه ليست نهاية الرواية، لأن الهجرة لا تنتهي. إنها جملةٌ مفتوحة، تتغيّر علامات ترقيمها مع كل صباح. وأنا، بين فاصلةٍ ونقطة، أواصل السير، حاملًا حقيبةً أثقل من الوطن، وقلبًا أخفّ بقليل من الأمس.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»
- الخنجر والمرآة: فلسفة الجبن حين يلبس عباءة الحكمة
- هندسة الصورة المشوّهة: كيف يصوغ الغرب الآخر على مقاس أسواقه
- يوم القيامة… مؤتمر الأسئلة المؤجلة
- انكسار العمامة وسقوط الظل: حين يتقدّم الشارع على المعبد
- رحيل محسن العلي: فنان عاش للفن ومات تاركًا إرثًا خالدًا
- إيران بين قداسةٍ مصنَّعة وحريةٍ تولد من النار
- حين يتكلم الشارع وتسكت العروش


المزيد.....




- وكالة الطاقة الذرية تحذر: تقلّص قياسي في احتياطيات النفط يهد ...
- -بئر الموت- في الهند.. وجهة شهيرة لعشاق الأدرينالين والباحثي ...
- باريس سان جرمان في مواجهة أمام لنس لحسم لقب الدوري الفرنسي
- الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ عمليات عسكرية في شمال نهر الليطا ...
- هل يحتاج ترامب المساعدة من الصين من أجل الضغط على إيران؟
- توغل إسرائيلي جديد بسوريا وانسحاب بعد تفتيش منازل بالقنيطرة ...
- -بيت الأرواح-.. ملحمة لاتينية بين السحر والسياسة
- إيطاليا تعتزم إرسال كاسحات ألغام قرب مضيق هرمز
- كواليس اللحظات الأخيرة.. اختطاف سفينة تقل 8 مصريين قرب الصوم ...
- هآرتس: شركات إسرائيلية تحوّل ستارلينك إلى خريطة تجسّس


المزيد.....

- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حقيبةٌ أثقلُ من الوطن