أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة














المزيد.....

من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8609 - 2026 / 2 / 5 - 20:19
المحور: قضايا ثقافية
    


لم تعد اللغة تسكن المعنى كما كانت تفعل في بداياتها الأولى، يوم كانت الكلمة ضرورة أخلاقية قبل أن تكون أداة تواصل، ويوم كان النحو محاولة لإنقاذ الفكرة من الفوضى لا لتجميل الفوضى نفسها. كانت اللغة تمشي مستقيمة، حتى وإن تعثرت، لأنها كانت تعرف وجهتها، أما اليوم فهي تمشي بلباقة مفرطة، تنحني كثيرًا، وتعتذر أكثر، وتصل دائمًا متأخرة عن الحقيقة بقليل، وكأنها تخشى أن تسبقها. بين سيبويه الذي وضع للغة هيكلها كي لا تنهار، وبين زمنٍ صارت فيه اللغة تُستعمل كي لا تنهار العلاقات، حدث التحول الأخطر: انتقلنا من سؤال المعنى إلى حساب المصلحة، من جملة تُقال لأن قولها واجب، إلى عبارة تُقال لأن الصمت مكلف.لم تعد اللغة مرآة الواقع بل ستاره، ولم تعد الكلمة سكينًا تشق الزيف بل قفازًا ناعمًا يربّت عليه. صرنا نعيش في عصرٍ تُوزن فيه الجملة لا بصدقها بل بمدى سلامتها، ويُقاس فيه العمق بعدد التأويلات التي تسمح بالهرب لا بعدد الأفكار التي تُجبر على المواجهة. صار الغموض فضيلة، والوضوح تهورًا، وصارت البلاغة حرفة تلميع لا أداة كشف. في هذا الزمن، لم تمت اللغة، لكنها غيّرت أخلاقها، تعلّمت كيف تقول الشيء ونقيضه دون أن يرمش لها جفن، وكيف تمدح وهي تشطب، وتنتقد وهي تعتذر سلفًا.النحو لم يعد ترتيبًا للمعنى بل ترتيبًا للمواقع، والفاعل لم يعد من قام بالفعل بل من يُسمح بذكره، أما المفعول به فغالبًا ما يكون الحقيقة التي تتلقى الضربة بصمت. تُبنى الجملة للمجهول لا لأن الفاعل غير معروف، بل لأن معرفته محرجة. تُقدَّم الكلمات وتؤخَّر لا لخدمة الدلالة بل لإدارة التوازنات. هكذا نشأ نحوٌ جديد غير مكتوب، لا يُدرَّس في الجامعات، لكنه يُتقن في الكواليس، نحوٌ يعلّمك كيف ترفع من يجب رفعه اجتماعيًا، وتنصب المعنى إن كان ثقيلًا، وتجرّ الضمير إلى الهامش حتى لا يثير ضجيجًا.المثقف في هذا المشهد لم يعد حارس اللغة بل مستخدمها الذكي، يعرف متى يغامر بكلمة ومتى يدفنها في استعارة، متى يصرخ ومتى يهمس، وغالبًا متى يصمت لأن الصمت أضمن من بيان شجاع. لم تعد الكتابة فعل قلق بل فعل حساب، ولم تعد المقالة مساحة اشتباك بل مساحة تموضع. تُكتب النصوص اليوم كي تُشارك لا كي تُغيّر، كي تُلتقط لها صورة لا كي تُحدث أثرًا، وصارت الثقافة، في كثير من تجلياتها، إدارة لغوية للأضرار لا مقاومة لها.لسنا أمام أزمة لغة، بل أمام وفرة استعمال بلا روح، تخمة بلاغية تخفي جوعًا أخلاقيًا حادًا. الكلمات الكبيرة تُستعمل بكثرة لأنها فقدت ثقلها، والعبارات الرنانة تُكرر لأنها لم تعد تُخيف أحدًا. الحرية تُقال في الوقت الآمن، والكرامة تُذكر في المناسبات، والضمير يُستدعى في الخطب ثم يُعاد إلى المخزن فور انتهاء التصفيق. ومع ذلك، تبقى اللغة أخطر من كل من يحاول ترويضها، لأن كلمة واحدة غير محسوبة، جملة صادقة بلا وسادة دبلوماسية، قادرة على فضح هذا النحو كله، وعلى تذكيرنا بأن اللغة لم تُخلق لتكون مهذبة، بل لتكون حقيقية، ولم تُوجد لتُرضي، بل لتقول، حتى لو قالت ما لا يُحب سماعه.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع
- مأتم السيد الوالد… حين يستعيد المسرح العراقي سلطته الجمالية ...
- «وصيّة الوجع الأخير»


المزيد.....




- فرنسا تحدد موعد الانتخابات الرئاسية لاختيار خليفة ماكرون
- الولايات المتحدة توقع اتفاقا لبناء سفارتها الدائمة في القدس ...
- محاولات لإنقاذ فنزويلي عالق تحت أنقاض مبنى منذ أسبوع
- مقتل 9 رهبان بوذيين دهسا بشاحنة يقودها طفل في تايلاند
- ألمانيا تتهم أوكرانيا بتخريب خط أنابيب غاز روسي عام 2022
- -إيبولا- يودي بأكثر من 400 شخص في الكونغو الديمقراطية
- الجزائر: نسبة المشاركة الأولية في الانتخابات التشريعية بلغت ...
- ترمب: نتفاوض مع إيران وأعتقد أنها وافقت على كل مطالبنا تقريب ...
- يوم حداد في كييف وارتفاع حصيلة الهجوم الروسي إلى 27 قتيلا
- مقتل 6 عناصر أكراد باشتباكات مع الحرس الثوري في إيران


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة