أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف














المزيد.....

عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8611 - 2026 / 2 / 7 - 07:51
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يعد العالم بحاجة إلى نظرية مؤامرة جديدة كي يبرّر هذا الكم الفاضح من البرودة، فالمجازر تُدار اليوم بربطات عنق، والحصار يُوقَّع بقلم فاخر، والجوع يُشرح في مؤتمرات مطوّلة عن “الإصلاح الاقتصادي”، وكأن الكارثة فقدت حقها حتى في الصراخ. من هنا، وُلدت فكرة الزواحف البشرية لا بوصفها اكتشافًا كونيًا، بل كصرخة يائسة من عقل لم يعد قادرًا على تقبّل أن الإنسان، هذا الكائن المتغنّي بالأخلاق، قادر على إدارة الخراب بهذا القدر من التنظيم والهدوء.الزواحف، في الخطاب الشعبي، ليست إلا استعارة فاشلة عن حقيقة أكثر رعبًا: أن من يحكمون ليسوا وحوشًا قادمين من كوكب آخر، بل بشرًا تدرّبوا طويلًا على خلع الجلد الأخلاقي دون أن ينزفوا. وحين نعجز عن تسمية هذا التوحش باسمه الحقيقي، نلجأ إلى الأسطورة، لأن الأسطورة أقل إدانة من الحقيقة. أسهل أن نقول إنهم زواحف، من أن نقول إنهم يشبهوننا، خرجوا من مدارسنا، صعدوا من أحيائنا، وتعلّموا اللغة نفسها التي نستخدمها للاعتذار عن الصمت.الخطير في حكاية الزواحف ليس تصديقها، بل الحاجة إليها. فحين يتحوّل القتل إلى إجراء، والفساد إلى نظام، والظلم إلى قانون، يبحث الوعي الجمعي عن تفسير لا يُلزمه بالمواجهة. وهكذا تصبح الزواحف شماعة نفسية نعلّق عليها عجزنا، ونُبرّئ بها أنفسنا من سؤال المشاركة: من صمت، من صفق، من استفاد، ومن قرر أن النجاة الفردية أهم من الخراب العام.يقال إن الزواحف تتغذى على الخوف، لكن الحقيقة أن الخوف صناعة بشرية بامتياز، تُدار بعناية أشد من إدارة النفط. يُضخ في الشاشات، يُعاد تدويره في الخطب، ويُوزّع بالتساوي على الفقراء كي لا يتجرؤوا على رفع رؤوسهم. الخوف لا يحتاج أنيابًا، يكفيه قانون مبهم، أو سجن بلا اسم، أو إعلام يتقن فن التخويف تحت شعار الاستقرار.ولو تأملنا جيّدًا، لاكتشفنا أن أخطر الزواحف ليست في القصور، بل في العقول التي اعتادت الزحف. في الموظف الذي يوقّع على الظلم لأنه “ينفذ الأوامر”، في المثقف الذي يلوذ بالرماد حين تُحرق الحقيقة، في المواطن الذي يحفظ قائمة المحرّمات أكثر مما يحفظ حقوقه. هكذا يتحوّل الزحف من حالة استثنائية إلى ثقافة عامة، ومن سلوك قسري إلى خيار مريح.
الأساطير القديمة لم تخدعنا، نحن من أسأنا فهمها. حين رسمت الشرّ على هيئة أفعى، كانت تحذّر من الفكرة لا من الكائن، من ذاك الجزء الزاحف في الإنسان الذي يبرر القتل إذا كان بطيئًا، ويقبل الظلم إذا كان متدرّجًا، ويتعايش مع الفساد إذا كان مقنّعًا بلغة القانون. لكننا، كعادتنا، قرأنا الرمز وهربنا من المعنى.في زمن تُدار فيه الدول كما تُدار الشركات، وتُقاس الأرواح بالأرباح، يصبح الحديث عن الزواحف أقل جنونًا من الاعتقاد بأن هذا العالم ما زال يُدار بضمير. الجنون الحقيقي هو أن نرى كل هذا الخراب، ثم نبحث عن تفسير خارق للطبيعة، بدل أن نسمّي الأشياء بأسمائها: استبداد، جشع، تواطؤ، وصمت جماعي مريب.لسنا بحاجة إلى مطاردة زواحف متخفية، بل إلى شجاعة النظر في المرآة. فأسوأ ما في هذا العصر ليس أن يحكمنا متوحشون، بل أن نتكيّف مع توحشهم، أن نعتاد الزحف حتى ننسى شكل الوقوف، وأن نلعن الأسطورة فيما نغذّي الواقع الذي أنجبها.في النهاية، الزواحف الحقيقية لا تغيّر جلودها، نحن من نفعل. نبدّل المبادئ بالذرائع، والكرامة بالحسابات، والحقيقة بالصمت الآمن. وعندها، لا يعود السؤال من يحكم العالم، بل أيّ عالم يستحق أن يُحكم، وأيّ بشر قبلوا أن يعيشوا بلا جلد، بلا حرارة، وبلا خوف… إلا من الحرية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.
- حين يمشي العالم على حافة العصا… فلسفة القوة وارتجاف الخرائط
- مثقف خارج القوائم… داخل الوجع


المزيد.....




- مثالية لأشهر الشتاء الباردة.. إليك أشهى أنواع الحساء التي يج ...
- حصري: وزير البحرية الأمريكي مدرج كراكب على متن طائرة جيفري إ ...
- بطة تصارع للبقاء بمنقار مغلق بطُعم صيد.. شاهد ما فعله رجل لإ ...
- مصر.. -تصويب عاجل- لوزارة الأوقاف عن منع إذاعة صلاتي الفجر و ...
- غزة: خروقات إسرائيلية توقع قتلى وجرحى.. وتل أبيب تهدد باستئن ...
- مجزرة في إسلام آباد.. داعش يستهدف مسجدا للشيعة في العاصمة ال ...
- أخبار اليوم: ترامب ينفي أن يكون قد شاهد الفيديو المسيئ لأوبا ...
- صحافة أوروبية: فضيحة إبستين محاكمة السلطة المظلمة للنخب النا ...
- بينغتوك .. مراهقون يسقطون في وَحْل نشوة المخدرات على تيك توك ...
- هيئة محلفين أمريكية توجه اتهامات لشخص هدد بقتل نائب الرئيس ف ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف