أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود














المزيد.....

العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8615 - 2026 / 2 / 11 - 09:57
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي يتكاثر فيها الظلّ، يصبح السؤال أكثر نقاءً من الإجابة.هل يُدار العلم بمبدأ القذارة؟..هل تُصاغ النخب في غرفٍ مغلقة، حيث تُختبر الأخلاق كما تُختبر المعادن في أفرانٍ سرّية؟...هل ثمة يدٌ خفية تصنع الرؤساء والكتّاب والأكاديميين، ثم تُطلقهم في الفضاء العام كأنهم قدرٌ لا يُردّ؟..أم أن الإنسان، ببساطة، هو الذي يصنع شيطانه حين يتنازل عن ضميره خطوةً واحدة؟..ليس من الحكمة أن نستبدل التفكير بالعاطفة، ولا أن نحيل كل تعقيدٍ في العالم إلى مؤامرة واحدة تُريح العقل من عناء التحليل. لكن من السذاجة أيضاً أن ننكر أن السلطة، عبر التاريخ، استخدمت أكثر الوسائل ظلمةً لصناعة نفوذها. لم تكن الإمبراطوريات تُبنى بالبلاغة وحدها، ولا كانت العروش تُحمى بالمواعظ. في أرشيف البشرية ما يكفي من الوقائع لنفهم أن الابتزاز،والإغواء، والفضيحة، وتوظيف الشهوة، كانت أدوات سياسية بامتياز.
قضية جيفري إبستين، بما كشفته التحقيقات القضائية والصحفية في الولايات المتحدة، ليست مجرد ملف جنسي شائن، بل نموذج عن تقاطع المال بالنفوذ، والعلاقات الخاصة بصناعة المكانة العامة. الوثائق التي ظهرت، والشهادات التي أدلي بها أمام القضاء، أظهرت شبكة علاقات معقدة ضمت شخصيات نافذة في المال والسياسة والأعمال. لكن القضاء الأمريكي، رغم كل الضجيج، تعامل مع القضية ضمن إطار قانوني محدد: اتهامات بالاتجار الجنسي بالقاصرات، واستغلال النفوذ، وتواطؤ محتمل. هذه حقائق قضائية موثقة.
أما ما يتجاوز ذلك — من اتهامات بوجود جهاز عالمي يصنع النخب عبر غرف ابتزاز ممنهجة — فهو مجال يحتاج إلى أدلة صلبة لا إلى انفعال. نعم، التاريخ يشهد بأن أجهزة استخبارات في دول متعددة استخدمت التسجيل والابتزاز وسيلةً للضغط على شخصيات مؤثرة. هذا ليس سراً. لكن تحويل كل مسارٍ سياسي أو أكاديمي إلى نتاج غرفةٍ مظلمة واحدة، يختزل تعقيد العالم في سردية واحدة مريحة نفسياً وخطيرة فكرياً.السؤال الأخطر ليس: هل هناك قذارة في بعض أروقة السلطة؟..بل: لماذا تسمح البنية الأخلاقية والسياسية بوجودها أصلاً؟
حين يغيب الشفافية، ويتحول النفوذ إلى شبكة مصالح مغلقة، ويصبح المال معبراً إلزامياً للسلطة، فإن البيئة نفسها تنتج الانحراف. ليس الشيطان كائناً فوقياً يحكم العالم؛ إنه يتسلل من فراغ الرقابة، ومن هشاشة القانون، ومن تقديس الأشخاص بدل مساءلتهم.الحديث عن “صناعة النخب” ليس وهماً كاملاً. النخب تُصنع فعلاً — لكن عبر منظومات تعليم، وتمويل، وإعلام، ومراكز أبحاث، وشبكات علاقات. هذه الصناعة قد تكون شرعية وشفافة، وقد تكون منحرفة وفاسدة. في كل الحضارات كانت هناك دوائر مغلقة تتبادل النفوذ. الجديد اليوم هو أن الفضيحة باتت عابرة للقارات، وأن الوثيقة الرقمية لا تموت.أما الزعم بأن العلم نفسه يُدار بمبدأ القذارة، فذلك تعميم يظلم آلاف العلماء والباحثين الذين يعملون في مختبراتهم بصمت، بعيداً عن شبكات النفوذ. العلم، كمنهج، قائم على الشك المنظم، والتحقق، وإعادة الاختبار. لكن المؤسسات التي تموله قد تخضع أحياناً لضغوط سياسية أو اقتصادية. هنا يكمن الخلل: في تمويل المعرفة، لا في جوهرها.
الماسونية، أو أي تنظيم فكري سري، وُجد تاريخياً كحركات ذات طابع فلسفي أو اجتماعي. بعضُها ارتبط فعلاً بنخب سياسية في فترات معينة، لكن تحويلها إلى عقلٍ كوني يتحكم بكل تفاصيل العالم، يختزل تعقيد الجغرافيا والسياسة والاقتصاد في سردية واحدة مطلقة. العالم اليوم تحكمه مصالح دول، وشركات عابرة للقوميات، وتحالفات اقتصادية، وصراعات طاقة، وتوازنات عسكرية. إنه نظام معقد، لا غرفة واحدة.أما الاتجار بالأطفال، واستغلال الضعفاء، فهي جرائم موثقة عالمياً، عابرة للأديان والقارات. تقارير الأمم المتحدة ومنظمات دولية مستقلة تؤكد وجود شبكات إجرامية تستغل الفقر والنزاعات. هذه حقيقة مؤلمة. لكن مواجهتها تكون بتعزيز القضاء المستقل، وحرية الصحافة، والرقابة المجتمعية، لا بإطلاق اتهامات غير موثقة قد تظلم أبرياء أو تضعف صدقية القضية نفسها.الوجه الشيطاني الذي يخشاه الناس ليس شخصاً بعينه، بل منظومة تفقد بوصلتها الأخلاقية. حين تصبح المنفعة فوق الكرامة، والربح فوق العدالة، يتحول النظام إلى كيان بارد لا يرى الإنسان إلا رقماً. هنا تبدأ الشيطنة: في تجريد الإنسان من إنسانيته.وإذا كانت وثائق إبستين قد كشفت شيئاً، فهي كشفت هشاشة الهالة التي تحيط ببعض النخب. كشفت أن الشهرة لا تعني الطهر، وأن السلطة لا تعني النزاهة. لكنها لم تثبت — حتى الآن — وجود حكومة سرية واحدة تدير الكوكب. الفرق كبير بين فسادٍ واسع، وبين مؤامرة كونية شاملة.الفلسفة تعلمنا أن الشك ضرورة، لكن التعميم آفة. وأن مقاومة الفساد تبدأ من بناء مؤسسات قوية، لا من استبدال رواية برواية أكثر قتامة.الشر لا يُهزم بالظن، بل بالبرهان.ولا يُفضح بالغضب، بل بالتحقيق.ربما ليست المشكلة أن “الفكرة لا تموت”، بل أن الإنسان، كلما ضعف وعيه، أحيا أسوأ أفكاره.
العالم ليس نقياً، لكنه ليس كتلة ظلام مطلق.هو ساحة صراع دائم بين ضميرٍ يريد أن يصحو، ومصلحةٍ تريد أن تعمى.
ويبقى السؤال معلقاً في هواء هذا العصر:
هل نبحث عن شيطانٍ يحكمنا، أم نعيد بناء الإنسان الذي لا يسمح للشيطان أن يحكمه؟..وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...


المزيد.....




- مصر.. أشرف سالم زاهر وزيرًا للدفاع ضمن التعديل الوزاري الجدي ...
- نظام ترامب العالمي يلوح فوق أوروبا عشية مؤتمر ميونخ
- كيف تجعل قراءات ساعة آبل لضربات القلب أكثر دقة؟
- بنغلاديش تجري أول انتخابات بعد الانتفاضة الطلابية
- هكذا تتحرك طهران وتل أبيب دبلوماسيا في الملف الإيراني
- الجيش المصري يستعرض قواته المشاركة بدعم الصومال
- تنمر سياسي تركي من زي رئيسة بلدية يفجر غضبا رقميا وأردوغان ي ...
- تعيين أشرف زاهر وزيرا جديدا للدفاع في مصر
- وثيقة: قافلة كردفان لم تكن إنسانية بل عسكرية تابعة للجيش
- شمخاني: أي هجوم على إيران سيكون -بداية حرب واسعة-


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود