أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.














المزيد.....

من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 15:18
المحور: قضايا ثقافية
    


في العراق، لا يبدأ التجهيل من المدرسة، بل من المهد. من صدر أمٍ أُنهك بالعوز، لكن الأخطر أنه أُنهك بالخرافة. أمّ لا تقرأ، ولا تشك، لكنها تؤمن يقينًا بأن الجن يسكن الزوايا، وأن الحسد أسرع من الضوء، وأن المرض يُطرد ببخور، والعين تُشفى بتعليقة، وأن التفكير الزائد يجلب البلاء. فتُرضع طفلها الخوف بدل الحليب، وتلقّنه الوهم قبل الحروف، وتربّيه على الطاعة لا على الفهم، وعلى “لا تسأل” بوصفها أول وصية وطنية.يكبر الطفل قليلًا، فيدخل مدرسة لا تُعلّم، بل تُكمّل ما بدأته الأم بضمير مرتاح. تعليم إقصائي، خائف، متخشّب، لا يثق بالعقل، ولا يعترف بالعلم إلا إذا مرّ عبر فتوى. مناهج تُعلّمه أن التاريخ لعنة، وأن السؤال وقاحة، وأن الشك كفر، وأن الحفظ فضيلة عليا حتى لو كان المحفوظ كذبة عرجاء. يُلقّنونه معلومات ميتة، ويمنعونه من التفكير فيها، فيتخرج حافظًا ممتازًا، وعاقلًا معطوبًا.وفي الطريق، يلتقي بدينٍ منزوع الروح، مُعاد تدويره ليخدم الخرافة. دين يُقدَّم له بوصفه قائمة محظورات، لا منظومة قيم. يُقال له إن العقل فتنة، وإن الفلسفة مرض، وإن العلم إن لم يطأطئ رأسه فهو خطر على “الثوابت”. وهكذا، لا يُصنع متدين، بل تابع، ولا يُربّى مؤمن، بل خائف دائم يحتاج وصيًا يفكر عنه.ثم يأتي الإعلام، ذلك الأستاذ الخصوصي للتجهيل، ليؤكد للطفل – وقد صار شابًا – أن كل فشل مؤامرة، وكل نقد خيانة، وكل فكرة جديدة مشروع هدم للأخلاق. يضحك عليه بجدية، ويُبكيه بسخرية، ويقنعه أن الخراب حكمة، وأن التخلف هوية، وأن العالم كله حاقد لأن العراق “مستهدف”، لا لأنه مُدار بعقلية البخور.وحين يصل هذا المنتج المتكامل من الأم الجاهلة، والمدرسة العاجزة، والفتوى المُخدِّرة، والإعلام المُضلِّل، إلى موقع القرار، لا تتوقعوا معجزة. توقعوا وصفة شعبية لعلاج الدولة. إذا أصيبت المؤسسات بالرمد، سيقترح البصل. إذا انهار الاقتصاد، سيبحث عن دعاء مجرّب. وإذا سُئل عن الحلول، سيستشهد بحكاية سمعها في مجلس، أو نصيحة جدّة أثبتت “فعاليتها” مع الجيران.هكذا تتحول الدولة إلى وصفة، والعلم إلى بدعة، والجامعة إلى ديكور، والعقل إلى متهم دائم. ليس لأن العراقي غبي، بل لأن الغباء صُنع له بعناية، ورُبّي، وسُقي، وحُمي من أي محاولة إنقاذ. التجهيل هنا ليس فشلًا عفويًا، بل نجاح باهر لمن لا يريد هذا البلد أن ينهض.المضحك المبكي أن الجميع يشتكي من النتائج، ولا أحد يجرؤ على لمس السبب. يلعنون المسؤول، لكنهم يقدّسون التربية التي صنعته. يسخرون من القرار، لكنهم يباركون العقلية التي أنجبته. يريدون دولة حديثة بعقل بدائي، ومؤسسات علمية بروح الخرافة، ومستقبلًا مشرقًا تحت مصباح محترق.
في العراق، التجهيل ليس نقص تعليم، بل فائض خرافة. ليس غياب مدارس، بل حضور عقول مُغلقة. وليس أزمة جيل، بل جريمة مستمرة تُرتكب باسم القيم، وتُبرر باسم الدين، وتُدار باسم الاستقرار.وإلى أن نكسر هذه السلسلة من الأم إلى المدرسة إلى المنبر إلى المنصب، سيبقى البصل علاجًا للرمد، وسيبقى الوطن مريضًا، لا لأنه بلا أطباء، بل لأنه قرر أن يكره الطب.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد


المزيد.....




- الأمن الأردني يصف حادثة طعن أحد عناصره بـ-العمل الإرهابي الج ...
- تهديدات قنابل كاذبة تجبر رحلات أوروبية على الهبوط الاضطراري ...
- قتلى وجرحى في هجمات أوكرانية متعددة استهدفت جمهورية لوغانسك ...
- حزب -إسرائيل بيتنا- يطالب بانتخاب رئيس جديد للكنيست
- الكرملين: لا خطط لاتصالات بين بوتين وأردوغان حتى الآن
- إحراق لافتة تحمل صور قادة أمريكيين وإسرائيليين خلال تجمع في ...
- 51 مليار دولار والاعتراف بهم حكّامًا لليمن.. تقرير يكشف شروط ...
- رسائل خاصة بلا تصفية لإيمانويل ماكرون تظهر في كتاب لفرانسواز ...
- اليوم.. الجونة يستضيف اتحاد الشرطة في دور الـ 32 بكأس مصر
- البنك الأهلي يواجه بورفؤاد في دور الـ 32 بكأس مصر


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.