أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة














المزيد.....

من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8612 - 2026 / 2 / 8 - 09:02
المحور: قضايا ثقافية
    


ما يحدث في العالم اليوم لا يُقرأ بالخبر العاجل، ولا يُفهم بمنطق ردّة الفعل، ولا يُفسَّر بلغة المؤامرة السطحية. نحن أمام لحظة فلسفية نادرة، لحظة تُعاد فيها كتابة معنى السلطة لا شكلها، وتُفكك فيها البنى لا الواجهات، ويُستهدف الجوهر لا القشرة. التاريخ، حين يشيخ، لا يسقط دفعة واحدة، بل يُفكَّك كما تُفكك ساعة معطوبة: ترسًا بعد ترس، حتى يتوقف الزمن القديم عن العمل.ليست السياسة هنا صراع أشخاص، بل صراع أنساق. وليست القرارات المتلاحقة حركات ارتجالية، بل إيقاع محسوب في سيمفونية الهدم المنهجي. ما نراه ليس فوضى، بل عقلٌ بارد يعمل ضد المسلمات التي حكمت العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. نحن أمام محاولة لإعادة تعريف «الدولة» بوصفها وظيفة لا قداسة، و«المال» بوصفه أداة لا معبودًا، و«المعرفة» بوصفها مسؤولية لا امتيازًا نخبوياً مغلقًا.في العمق، هناك إدراك أمريكي متأخر بأن النظام الذي صنعته واشنطن خرج عن السيطرة، وأن الأدوات التي أنشأتها لحمايتها تحولت إلى مراكز قوة مستقلة، تعيش على استمرار الخلل. حين تصبح البنوك المركزية دولة داخل الدولة، والجامعات مصانع لإعادة إنتاج الطبقة الحاكمة، وشركات الدواء آلهة تتحكم بالحياة والموت، فإن الدولة تفقد معناها الأخلاقي، وتتحول إلى وسيط عاجز بين الشعب وكارتلات المصالح.
الهجوم على فكرة السوق المعولم ليس اقتصاديًا فقط، بل أنطولوجي. هو تشكيك في وهم أن المال يمكن أن يحكم العالم بلا دم. البترودولار لم يكن عملة، بل سردية سيطرة، وحين تتصدع السرديات، لا تنفع الجيوش. لهذا فإن إعادة تعريف التجارة، والضغط على شبكات التبادل المرتبطة بدول تُتقن اللعب على حافة العقيدة والنفط معًا، ليس عقابًا بقدر ما هو إعلان نهاية مرحلة.أما الصراع مع البنى المالية، فليس رغبة في كسر مؤسسة بعينها، بل محاولة لتحرير القرار السياسي من وصاية رقمية تتحكم بأسعار الوقت والجهد والديون. حين يصبح سعر الفائدة أداة حكم، تتحول الديمقراطية إلى مسرح. لذلك فإن التلويح بكسر قدسية هذه المؤسسات هو تلويح بإعادة السلطة إلى المجال السياسي، مهما كان الثمن.القطيعة مع النخبة الأكاديمية ليست حربًا على العلم، بل على احتكاره. حين تتحول الجامعات إلى بوابات عبور حصرية للسلطة، فإنها تفقد روحها النقدية، وتصبح جزءًا من منظومة إعادة إنتاج الطاعة الذكية. الدولة العميقة لا تُجنّد بالزي العسكري فقط، بل بالمناهج، والزمالات، واللغة التي تُعلّم التفكير داخل سقف مسموح.وفي موازاة ذلك، يأتي كسر احتكار الدواء كضربة رمزية عالية الدلالة: الجسد الإنساني ليس سوقًا، والمرض ليس فرصة استثمار. حين يُستعاد الحق في العلاج من يد الشركات، فإن السياسة تلامس الأخلاق لأول مرة منذ زمن طويل. هذا ليس كرمًا شعبويًا، بل إعلان حرب على اقتصاد الألم أما إعادة هيكلة الأمن، فهي أخطر ما في المشهد. لأنك لا تستطيع إصلاح جهاز بُني على الخوف دون أن توقفه أولًا. الأمن حين يتحول إلى غاية، يلتهم الدولة. وإيقافه مؤقتًا ليس فراغًا، بل لحظة جراحة قاسية، لا تُجرى إلا حين يصبح الورم أكبر من الجسد.في الجهة المقابلة، يقف النظام الإيراني بوصفه نموذجًا آخر لانهيار المعنى. سلطة بنت مشروعها على تقديس الخوف، وعلى تحويل العقيدة إلى أداة تعبئة، والهوية إلى سجن. لم تُنتج دولة، بل طائفة مسلحة بخرافة، ومجتمعًا معلقًا بين المظلومية والعداء الدائم. وحين تشعر هذه الأنظمة أن النهاية تقترب، لا تفكر بالنجاة، بل بالانتقام الكوني. خيار «شمشون» ليس أسطورة، بل عقلية: إذا سقطنا، فليحترق الجميع.السيناريو النووي ليس تهويلاً إعلاميًا، بل احتمال يولد من منطق الأنظمة المؤدلجة حين تُحاصر. ولهذا فإن التحشيد العسكري لا يُقرأ بوصفه تمهيدًا لحرب تقليدية، بل كشبكة احتواء لنهاية خطيرة. الحرب، في هذا السياق، ليست هدفًا، بل أداة لضمان أن السقوط لا يتحول إلى كارثة جغرافية وإنسانية.الضربة، إن وقعت، لن تكون ثأرًا، بل عملية بتر محسوبة. الهدف ليس القتل، بل تعطيل القدرة على التدمير الشامل. إسقاط النظام لا يعني احتلال الأرض، بل تفكيك أدواته، وتجفيف أذرعه، وتركه يسقط تحت وزن فراغه الداخلي.
نحن أمام عالم يُعاد تشكيله لا وفق أخلاق مثالية، بل وفق واقعية قاسية. عالم ينتقل من إمبراطوريات خفية إلى صراعات مكشوفة، من حكم الشبكات إلى حكم الصدمة. ليس بالضرورة أن يكون القادم أفضل، لكنه سيكون مختلفًا جذريًا.
الفلسفة هنا لا تحتفل، ولا ترثي. هي فقط تُسجّل: حين تنهار الأساطير، يبدأ التاريخ من جديد. وحين تُهدم الركائز القديمة، لا يعود السؤال: من يحكم؟ بل: بأي معنى يُحكم العالم؟ما نعيشه ليس من الظلام إلى النور، ولا من النور إلى الظلام، بل من الوهم إلى الحقيقة العارية. والحقيقة، كما نعرف، لا تأتي بلا ثمن.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع
- في زمن السيولة… وصية الوعي الأخيرة
- قناع فاسد
- العقل أولًا… بيان عراقي ضد الطائفية والوصاية.


المزيد.....




- من مصر القديمة.. لوحة عمرها 2000 عام بلمسة عصرية ستُباع في م ...
- شاهد.. لحظة انفجار بالونات مملوءة بالغاز داخل مصعد
- 3 دول خليجية ومصر.. رئيس الجزائر يلقي الضوء على العلاقات معه ...
- -طيران ناس سوريا-.. تأسيس شركة طيران سعودية في سوريا
- كاتب: السياسة بالنسبة لترمب ساحة للمعارك الشخصية لإذلال الخص ...
- عقدة أوباما.. عندما يرهن ترمب مستقبل أمريكا لترميم أناه الجر ...
- اليابان تنتخب نوابها وتوقعات بفوز واسع للحزب الحاكم
- نيويورك تايمز: ترمب يعود للمسار الدبلوماسي مع إيران لكن الطر ...
- أوكرانيا تحذر من صفقات أمريكية روسية وتستعد لمحادثات جديدة
- لقاء مرتقب بين نتنياهو وترامب لبحث -ملف إيران-، وويتكوف من ط ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة