أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأمّلات ساخرة في ذاكرة بلدٍ يتعلّم كيف يندهش من نفسه














المزيد.....

بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأمّلات ساخرة في ذاكرة بلدٍ يتعلّم كيف يندهش من نفسه


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 22:22
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أسهل من أن تسقط المدن، لكن الأصعب أن يسقط المعنى معها. بعد سقوط بغداد، لم تهوِ الجدران وحدها، بل انزلقت الفكرة من يد الأخلاق، وتحوّل المبدأ إلى قطعة نقد تُقلب على وجهها بحسب الريح. فجأةً، صار التاريخ غرفة انتظار، يدخلها من يشاء ببطاقة دفع، ويخرج منها من يشاء ببيان ندم مؤجّل. لم يكن المشهد انتقالًا من نظام إلى آخر بقدر ما كان انتقالًا من يقينٍ ثقيل إلى ارتيابٍ خفيف، ومن صمتٍ منضبط إلى ضجيجٍ بلا ذاكرة.ظهر على المسرح ممثلون جدد بملابس قديمة، يغيّرون الأقنعة أسرع مما تغيّر الفضائيات شريطها الإخباري. كانوا بالأمس شهودًا، واليوم خبراء، وغدًا حراسًا على بوابة الفضيلة. يكتبون ويحلّلون ويصنعون وثائقيات على قياس المموّل، ويطعنون بالمسطرة، ويباركون بالساعة. تحوّل الكلام إلى خدمة مدفوعة، والضمير إلى بندٍ اختياري في العقد. وفي الزاوية الأخرى، جلس صامتون يتقنون فن الانتظار، لا يخاصمون الماضي ولا يصادقون الحاضر، يراقبون الموجة بحثًا عن لحظة ركوبٍ مربحة، وكأن الوطن قاربٌ مستأجر لا بيتٌ دائم.ثم جاءت فئة ترفع الشعارات كما تُرفع اللافتات في المواسم، ثيابها حزبية، وخطابها محفوظ، تتقن الحماسة أكثر مما تتقن الحساب، وتعرف الهتاف أكثر مما تعرف الإدارة. وفي مقابل ذلك، ظلّت قلةٌ عنيدة ترى العراق فكرةً لا غنيمة، وتحبّه بلا قيد الطائفة وبلا فهرس الولاءات، تعمل بصمتٍ يشبه الصلاة، وتؤمن أن السيادة ليست صورة على جدار بل قدرة على القول والفعل دون وصاية.أما الفصل الأكثر غرابة، فهو فصل الذين جاؤوا مع الريح وأمسكوا الدفتر. قُسّم البلد كما تُقسّم كعكة عيد ميلاد، واختلطت الحسابات بالوعود، وصار الفشل ماضيًا جاهزًا للاستخدام، يُستدعى عند الحاجة، حتى لو انفجر إطار في شارعٍ مكسور. هكذا وُلدت مفارقة عجيبة، حيث صار الماضي، بكل ثقله، ملاذًا نفسيًا لشبابٍ لم يروه، يروون عنه ما لم يعيشوه، لأن الحاضر علّمهم كيف يحنّ الإنسان إلى ما لم يعرفه حين يعجز عمّا يراه. وفي المقابل، انقسم آخرون بين طائفيةٍ تلوك الخوف، وصمتٍ يقبل كل شيء لأنه تعلّم أن الاعتراض ترف.
المضحك المبكي أن السيادة، تلك الكلمة التي كانت تُتّهم بالخشونة، صارت فجأةً حنونة في الذاكرة. صار الناس يقارنون بين زمنٍ كان فيه البلد محاصرًا لكنه يملك نفسه، وزمنٍ مفتوح الأبواب لكنه مملوك. لا أحد يطلب تبرئة تاريخ ولا تلميع سلطة، إنما دهشة المقارنة هي التي تفرض نفسها: كيف يمكن لبلدٍ أن يخسر وفرة السلام ويكسب وفرة الأعذار، أن يمتلك النفط ولا يمتلك الكهرباء، أن يصدّر الخام ويستورد الماء، أن تتحوّل فيه الحصة الشهرية إلى حكاية، والبناء إلى ذكرى، والعملة إلى مزاج.في الشارع، يركض الناس خلف عدسةٍ صغيرة اسمها الراتب، وخلف حبة عدس تُقدّم بوصفها إنجازًا، ويشربون الماء كما لو أنه معجزة موسمية. الحقوق نكتة تُقال ثم تُنسى، والتعليم سوق، والصحة مقامرة، والفساد ثقافة تُدرّس بالتطبيق العملي. تُستبدل الأرض الزراعية بالمراكز التجارية، والمدرسة بالمطعم، والمستشفى بصندوقٍ خشبيّ يعتذر متأخرًا. الدولة هيكل أنيق تُديره مافيا ببدلات رسمية، ووعود محفوظة بنسخٍ متطابقة، يحوّلون الثروة إلى أرقام بعيدة، والمواطن إلى سائل خدمات عند بابٍ لا يُفتح إلا بالمزاج.
السخرية هنا ليست ترفًا بل وسيلة دفاع. كيف لا تندهش حين ترى الماضي يُستدعى شاهدًا على الحاضر، والحاضر يُعفى باسم المستقبل، والمستقبل يُؤجَّل لأن الميزانية لم تسمح؟ كيف لا تبتسم بمرارة حين يُدار البلد بمنطق الإدارة المؤقتة الدائمة، وحين يُطلب من الناس الصبر بوصفه سياسة عامة؟ في هذا المشهد، لا نبحث عن قصور ولا طائرات، بل عن أبسط هندسة للعدالة، ماءٍ لا يختبر صحة الأمعاء، كهرباء لا تتعامل معنا بنظام النوبات، مستشفى يعالج قبل أن يعتذر، وطريقٍ لا يُسقط سيارة كل شتاء.
إنها مقارنة موجعة، لا لتقديس ما كان ولا لتبرير ما هو كائن، بل لتعرية المفارقة: سيادة تُفهم متأخرة، وفوضى تُدار مبكرًا، وذاكرة تُلام لأنها تتذكّر. ربما آن الأوان أن نكفّ عن جلد الزمن ونبدأ بمساءلة الفكرة، وأن نعيد تعريف السياسة بوصفها خدمة لا صفقة، والاختلاف بوصفه ثراء لا ذريعة. عندها فقط، قد يتعلّم البلد كيف يندهش أقل، وكيف يعيش أكثر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»
- خبزُ الانتظار… حين يُقايَض العمرُ بالسيولة
- خيانة ناعمة
- تحوُّل
- حقيبةٌ أثقلُ من الوطن
- إيران عند حافة المرآة الأخيرة
- خيانة
- جمهورية القناع المكسور: بيان في السخرية الأخلاقية عن وطنٍ يج ...
- العراق بين منطق الدولة وإرث السلطة: تأملات في زمن الانقسام
- العطب
- تقترب الحرب… وتتكشّف الأذرع


المزيد.....




- -ليفل الوحش-.. رامز جلال يكشف عن بوستر برنامجه في رمضان 2026 ...
- مصر.. القبض على شخص بتهمة التحرش بفتاة في أتوبيس
- بعد اعتراف إسرائيل بـ-أرض الصومال-.. توقيع اتفاقية تعاون عسك ...
- العملات الرقمية: تراجع ظرفي أم أزمة حقيقية؟
- 6 مخالفات قانونية في قرارات إسرائيل بشأن الضفة
- شعث: نترقب اجتماع -مجلس السلام- لتأكيد تعهدات تمويل إعمار غز ...
- جراح مغربي يستعيد لحظات الرعب وصمود الأطباء خلال حرب الإبادة ...
- استشهاد 3 فلسطينيين في غارة إسرائيلية على شقة سكنية للنازحين ...
- -مع الحكيم- يكشف مخاطر أكياس النيكوتين ويحذر من تفشي فيروس ن ...
- منتدى الجزيرة يختتم نسخته الـ17 بالتأكيد على محورية القضية ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأمّلات ساخرة في ذاكرة بلدٍ يتعلّم كيف يندهش من نفسه