أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة














المزيد.....

جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 14:16
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ أن أطلَّ العام 1979 بعمامته السوداء على شرفة التاريخ، والعالم يحدّق في مشهدٍ بدا كأنه وعدٌ بالخلاص، فإذا به يتحوّل ـ في قراءةٍ أخرى ـ إلى مختبرٍ طويلٍ لتجربةٍ اسمها “احتكار السماء”.يومها عاد آية الله الخميني إلى طهران، ولم يعد رجل دينٍ إلى وطنه فحسب، بل عادت معه فكرةٌ قديمة في ثوبٍ جديد:أن السلطة حين ترتدي عباءة المقدّس تصبح فوق السؤال، وأن الثورة حين تُعمَّد باسم الله تكتسب حصانةً ضد النقد، وأن الحلم إذا استُخدم سُلَّمًا إلى الحكم قد يتحوّل، بعد الوصول، إلى بابٍ يُغلق من الداخل.لم تكن المشكلة في الإيمان،فالإيمان طاقةُ نورٍ في قلب الإنسان، ولا في الإسلام الذي ظلّ عبر قرونه فضاءً حضاريًا مفتوحًا للجدل والتنوّع والاجتهاد، بل في تحويل الدين من رسالةٍ أخلاقية إلى مشروع سلطة، ومن نصٍّ مفتوحٍ على الرحمة إلى خطابٍ مغلقٍ على التأويل الواحد. منذ تلك اللحظة بدأ التاريخ يدوّن فصولًا جديدة عنوانها:كيف يمكن لثورةٍ أن تأكل أبناءها، وكيف يمكن لشعار “نصرة المستضعفين” أن يتحوّل إلى شبكة نفوذٍ تتسلّل عبر الجغرافيا كما يتسلّل الحبر في الماء، لا ليمنحه لونًا فحسب بل ليغيّر طعمه أيضًا.
في الداخل الإيراني، وُلدت جمهورية تُدار بنظامٍ مزدوج: صندوق اقتراعٍ في الطابق الأرضي، ومجلس وصايةٍ في الطابق العلوي. بدا المشهد كمنزلٍ له بابان؛أحدهما يُفتح للناس، والآخر لا يملكه سوى “الوليّ”. وهكذا صار السؤال الفلسفي القديم عن العلاقة بين الحاكم والمحكوم سؤالًا معلقًا بين السماء والأرض: من يراقب من؟ ومن يملك حقّ تفسير النصّ حين يختلف الناس؟ وأيّهما أولى بالبقاء: الدولة أم الثورة؟ ومع مرور السنوات، بدا أن الثورة اختارت أن تبقى ثورةً دائمة، لأن بقاءها في حالة اشتعال هو شرط استمرارها في الحكم.ثم جاءت الحرب العراقية الإيرانية،فكانت المأساة الكبرى التي التهمت أرواحًا من ضفّتي الحدود، وأدخلت المنطقة في ليلٍ طويلٍ من الدم والبارود. قيل إنها حرب الدفاع، وقيل إنها حرب الثورة، لكن المؤكد أنها كانت حربًا كشفت كيف يمكن للأيديولوجيا أن تطيل أمد النزيف باسم الكرامة، وكيف يمكن للحدود أن تتحوّل إلى مقابر مفتوحة. وبعد أن سكتت المدافع، لم تسكت الفكرة؛ بل خرجت من خنادقها تبحث عن خرائط أخرى، فصار للثورة أذرع، وللأذرع ظلال، وللظلال حضورٌ في عواصم عربية عديدة.لم تعد المسألة شأنًا إيرانيًا داخليًا، بل مشروعًا إقليميًا يمدّ خيوطه عبر الطوائف، ويستثمر في الانقسامات،ويجيد العزف على أوتار المظلومية التاريخية. هنا يصبح السؤال أكثر مرارة:هل كان الهدف حماية الإسلام أم احتكاره؟ وهل كانت الغاية تحرير الشعوب أم إعادة تشكيلها وفق نموذجٍ واحد؟ في الفلسفة السياسية، يُقال إن الدولة الحديثة تقوم على العقد الاجتماعي، لكن في هذا النموذج بدا العقد أشبه ببيعةٍ لا تقبل النقض، وبولاءٍ لا يحتمل التعدّد.ومع كل أزمةٍ في المنطقة،كان اسم إيران حاضرًا؛ تارةً بوصفها حامية محورٍ ما، وتارةً بوصفها راعية ميليشيا، وتارةً بوصفها مفاوضًا بارعًا يعرف كيف يبتسم في العلن ويشدّ الخيوط في الخفاء. هكذا تحوّلت الجغرافيا إلى رقعة شطرنج، وتحول البشر إلى قطعٍ تتحرّك وفق استراتيجيةٍ كبرى عنوانها “تصدير الثورة”. لكن أيّ ثورةٍ هذه التي تحتاج إلى حدود الآخرين كي تتنفّس؟ وأيّ مشروعٍ أخلاقيٍّ ذاك الذي يزدهر في بيئة الانقسام أكثر مما يزدهر في بيئة الاستقرار؟إن المأساة الكبرى ليست في السياسة وحدها، بل في صورة الإسلام حين يُختزل في سلوك دولة. فحين تُقصف مدينةٌ باسم الدفاع عن المقدسات، أو تُؤجَّج طائفيةٌ باسم نصرة الحق، يتشوّه المعنى، ويختلط المقدّس بالمدنّس، ويصبح الدين ـ الذي جاء ليحرّر الإنسان من الخوف ـ أداةً لإدامة الخوف. وهنا تكمن الجريمة الرمزية الأشدّ: جريمة اختطاف المعنى.لأن قتل الإنسان فاجعة، لكن قتل الفكرة أعمق أثرًا وأطول زمنًا.ولعلّ أكثر ما يثير السخرية الفلسفية أن النظام الذي قام على رفض “الاستكبار العالمي” وجد نفسه، بعد عقود، جزءًا من لعبة التوازنات ذاتها؛ يفاوض القوى الكبرى، يعقد الصفقات، يهدّد ثم يساوم، وكأن التاريخ يبتسم ابتسامةً ساخرةً من الشعارات الأولى. فالسلطة، مهما كان لباسها، تظلّ سلطة، لها منطقها الخاص الذي لا يعترف كثيرًا بالقصائد الثورية.إن قراءة هذه التجربة لا تحتاج إلى محكمةٍ قانونية بقدر ما تحتاج إلى مرآةٍ أخلاقية. مرآةٌ تسأل: ماذا فعلنا باسم الله؟ وماذا خسرنا باسم الثورة؟ وكم من الأرواح والبلدان كان يمكن أن تعيش بسلامٍ لو لم تتحوّل الأفكار إلى جيوش، والحدود إلى خطوط اشتباكٍ دائم؟ إن العالم لا يكره شعبًا، ولا يعادي ثقافةً عريقة كالثقافة الإيرانية،لكنه يرتاب من مشروعٍ يخلط بين الإيمان والهيمنة، وبين العقيدة والسيطرة، وبين النصّ والسيف.ربما آن الأوان لأن يُطرح السؤال بصوتٍ عالٍ: هل يمكن لدولةٍ أن تكون دينيةً دون أن تُصادر الدين؟ وهل يمكن لثورةٍ أن تبقى حيّةً دون أن تبتلع حاضرها؟ إن الإجابة لا تأتي من خصومٍ ولا من مؤيدين، بل من ضحايا الحروب الصغيرة التي اندلعت في الظلال، ومن المدن التي دفعت ثمن صراعاتٍ لم تخترها، ومن الإسلام ذاته الذي يقف، في جوهره، بريئًا من كل هذا الصخب.وهكذا، بين العمامة والخرائط، بين الشعارات والوقائع، يبقى المشهد مفتوحًا على تأويلين: تأويلٍ يرى في التجربة ملحمة صمود، وتأويلٍ يراها سلسلة أخطاء كبرى ارتُكبت باسم المطلق. لكن الحقيقة،كعادتها، لا تسكن في الضجيج، بل في ذلك السؤال الهادئ الذي يهمس به التاريخ في أذن كل سلطة: كم من الدم يكفي لتدركي أن السماء لا تُدار من مكاتب السياسة؟



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون


المزيد.....




- كم طول المدة التي يمكن للشرطة احتجاز أندرو شقيق الملك تشارلز ...
- كيف يمكن لشرارة طائشة واحدة أن تتحول إلى حريق هائل في ثوان؟ ...
- -تكتيكهم كالروس... لا تنخدعوا باستعداد إيران الظاهري لإبرام ...
- عشر سنوات سجن لزوجين بريطانيين في إيران.. وبريطانيا تندّد بح ...
- هل تلاشى حلم أكراد سوريا بحكم ذاتي بعد الاتفاق مع الشرع؟
- غارديان: إدارة ترمب تخطط لبناء قاعدة عسكرية تضم 5000 جندي في ...
- أول أيام رمضان.. مشاهد تعبّد وتكافل
- إعلام أمريكي: واشنطن تنوي سحب جميع قواتها من سوريا خلال شهري ...
- ما قصة رفيق إبستين الفرنسي الذي مات مشنوقا قبل أن يشهد ضده؟ ...
- بموجب معاهدة 2025.. ما موقف روسيا من -شن حرب على إيران-؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة