أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهوريةُ الضجيج المقدّس














المزيد.....

جمهوريةُ الضجيج المقدّس


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 00:17
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي تفقد فيها المعاني وزنها النوعي، تُستبدل المقاييس الدقيقة بميزانٍ شعبيٍّ يقيس الأشياء بقدرتها على إحداث الصخب لا بقدرتها على إحداث الأثر، فنجد أنفسنا في حضرة عصرٍ تتصدّر فيه التفاهة بوصفها فضيلةً جماهيرية، لا لأنها تحمل قيمةً كامنة، بل لأنها خفيفة بما يكفي كي تطفو فوق السطح دون أن تغوص في مسؤولية العمق، وهكذا يصبح المشهد الثقافي أشبه بسوقٍ كبيرةٍ تُباع فيه الإثارة بالتقسيط المريح، ويُمنح فيه الضجيج صكَّ الشرعية الجماهيرية باعتباره التعبير الأصدق عن “نبض الشارع”، بينما يُتهم العقل بأنه نخبويٌّ متعالٍ لأنه يرفض الرقص على إيقاع الطبول الفارغة.إننا نعيش لحظةً تاريخيةً صار فيها مقدّم البرنامج فيلسوف المرحلة، لا لأنه يُنتج فكرةً، بل لأنه يُحسن إدارة العاصفة، يجلس أمام ضيفه متقمصًا دور المحقق الأخلاقي، يعتدل في جلسته، يرفع حاجبه بوقارٍ مصطنع، ثم يطلق سؤاله الوجودي الأعظم: “ما تعليقك على ما صدر من فلان تجاه فلان؟” سؤالٌ يبدو في ظاهره بريئًا، لكنه في جوهره تمرينٌ يوميٌّ على تحويل التفصيل التافه إلى قضية مصيرية، وعلى استبدال النقاش الفكري بتشريحٍ لغويٍّ لما خرج من الأفواه وكأن التاريخ يتوقف عند حدود الشفاه.الضيف بدوره يدرك قواعد اللعبة، فيلبس عباءة الحكمة السريعة، يعبس قليلًا ليمنح الجملة ثقلًا أخلاقيًا، ثم يدين ويستنكر ويحلّل “طريقة الخروج”و”توقيت الخروج” و”دلالات الخروج”، فتتحول الحلقة إلى ندوةٍ تخصصية في علم إفرازات الكلام، بينما القضايا الكبرى تقف خارج الاستوديو كمتسوّلٍ لا يجد من يمنحه دقيقةً واحدةً من البث المباشر.في هذا المناخ، لا تُقاس الشهرة بعمق الفكرة بل بسرعة الانتشار، ولا يُسأل المرء عمّا أضافه إلى وعي الناس بل عمّا حققه من نسب مشاهدة، وكأن القيمة الأخلاقية تُستمد من عدد العيون التي حدّقت في الشاشة لا من عدد العقول التي استيقظت على معنى، وهكذا يصبح النجاح مسابقةً في القدرة على إثارة الغرائز الجمعية، ويغدو المثقف الحقيقي كائنًا منقرضًا لأنه يصرّ على الكتابة بلغةٍ لا تصفق لها الخوارزميات.لقد نجحت التفاهة في إعادة تعريف البطولة؛ فالبطل هو من يُتقن افتعال العاصفة، ومن يستطيع أن يحوّل حركةً جسديةً عابرةً أو جملةً مرتجلةً إلى حدثٍ وطنيٍّ يستحق التحليل والتفكيك والتأويل، أما من يكتب كتابًا يُرهق سنواتٍ من عمره في سبيل فكرةٍ جادّة، فمكانه الطبيعي هو الهامش، لأن الجدية تُذكّر الناس بما يهربون منه، ولأن الحقيقة مؤلمةٌ بما يكفي كي تُقصى لصالح نكتةٍ عابرة.المفارقة الفلسفية هنا أن المجتمع لا يكره العقل، بل يخشاه، لأنه يحمّله مسؤولية الاختيار، بينما التفاهة تمنحه إعفاءً دائمًا من التفكير، فهي تخديرٌ ناعمٌ لا يُشعر المتلقي بثقل جهله، بل يجعله يحتفل به بوصفه عفويةً محببة، ولهذا تُستبدل الأسئلة الكبرى بأسئلةٍ من نوع: “من أساء إلى من؟ ومن ردّ على من؟” وكأن مصير الأمة معلّقٌ على سلسلةٍ من الردود المتبادلة التي لا تنتج سوى مزيدٍ من الضجيج.إن أخطر ما في هذه الجمهورية ليس وجود التفاهة، فهي قديمةٌ قدم البشر، بل تحوّلها إلى مؤسسةٍ قائمةٍ بذاتها، لها رعاتها ومحللوها ونجومها ومعلّقوها، تُدار بعنايةٍ فائقةٍ كي تبقى في الصدارة، لأنها ببساطةٍ تضمن أعلى نسبة تفاعل، والتفاعل هنا هو الإله الجديد الذي تُقدَّم له القرابين يوميًا على شكل عقولٍ معطّلةٍ وذائقةٍ مشوّهة.
ومع ذلك، سيبقى هناك من يكتب في العتمة، لا طمعًا في تصفيقٍ سريع، بل إيمانًا بأن التاريخ أكثر صبرًا من الشاشات، وأن الكلمة الثقيلة قد تتأخر في الوصول لكنها حين تصل تترك أثرًا لا تمحوه موجةٌ عابرةٌ من الضحك المجاني، فالتاريخ لا يحتفظ بأرشيف الصرخات بقدر ما يحتفظ بأثر الذين قاوموا الضجيج بصمتٍ عنيد، أولئك الذين آمنوا أن الفكرة، مهما حوصرت، تظل أكثر خلودًا من أي عاصفةٍ لفظيةٍ أُطلقت في استوديو مضاءٍ بالكاميرات ومنطفئٍ من الداخل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة


المزيد.....




- مفاوضات -عملية وصعبة- في جنيف.. تفاؤل أمريكي حذر يقابله إحبا ...
- الزعيم الكوري  يشرف على عرض قاذفة صواريخ -فريدة- قادرة على ش ...
- الأولى منذ الإطاحة بمادورو.. جنرال أمريكي يزور فنزويلا
- بين الجوع والإحساس بالسكينة.. كيف يعزز الصيام الهدوء النفسي ...
- -ألو إفطار-.. وجبات مجانية تصل إلى المنازل في إسطنبول طوال ر ...
- أبرز ما قيل في مجلس الأمن عشية انعقاد مجلس السلام
- طاش ما طاش.. حكاية 30 عاما من الضحك شكلت ذاكرة السعوديين الر ...
- أكسيوس: 6 أسباب تجعل أمريكا وإيران على وشك الحرب
- استجابة لرغبة ترامب.. ألوان جديدة لطائرة الرئاسة الأميركية  ...
- مؤسس -فيكتوريا سيكريت-: كنت ساذجا.. وإبستين خدعني


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهوريةُ الضجيج المقدّس