أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى














المزيد.....

نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8620 - 2026 / 2 / 16 - 07:42
المحور: قضايا ثقافية
    


ليست السيرةُ خطًا مستقيمًا يُرسم بين تاريخٍ وتاريخ، ولا الفنُّ مجموعةَ أغانٍ تُحصى، بل إنّ بعض الحيوات تُكتب بوصفها سؤالًا فلسفيًا طويل النفس، وبعض الأصوات تُفهم بوصفها تجربة وجود لا تُختصر. نوال خان واحدة من تلك التجارب النادرة؛ ليست مطربةً بالمعنى الشائع، بل مسارًا إنسانيًا تشكّل عبر الارتحال، ونضج عبر الصمت، وتخلّق عبر المعاناة كما تتخلّق الفكرة في رحم الزمن.وُلدت خارج الجغرافيا الأولى، لكنّها لم تولد خارج الذاكرة. من الكويت، حيث الطفولة تتعلّم الإصغاء قبل النطق، بدأت علاقتها بالموسيقى بوصفها لغةً ثانية للحياة. هناك، لم تكن الموسيقى مادةً دراسية فحسب، بل نافذةً على الذات، وملاذًا مبكرًا من صخب العالم. في المدارس، كانت تتفوّق في العزف والغناء، وتنجذب إلى الخط والرسم والديكور والخياطة والفنون التشكيلية، كأنها كانت تبحث منذ البدء عن وحدةٍ خفية بين الصوت واللون، بين الحركة والمعنى، بين الجسد والفكرة.في الكويت، تعرّفت على الإيقاع بوصفه ذاكرةً جماعية، لا مجرد وزن موسيقي. تأثّرت باللون الخليجي لا كزائرٍ عابر، بل كجزءٍ من تكوينها السمعي والوجداني؛ إيقاعات خفيفة، وصفقات تحمل طعم الفرح البسيط، وصدق الأداء الذي لا يحتاج إلى تزويق. غير أنّ الروح، مهما طال مقامها، لا تنسى جذورها. فثمّة هوية كانت تعمل في العمق بصمتٍ عنيد، هوية عراقية تنتظر لحظة الانبعاث.من شمال العراق، من كردستان، حيث الجبال لا تعلّم الشموخ فحسب بل تعلّم الصبر، تشكّلت أولى طبقات الوعي. من حصاروت، حيث الصنوبر شاهدٌ على عناد الحياة، ومن جمال الشلالات التي تهبط كما تهبط الموسيقى من القلب إلى الحنجرة، تفتّحت علاقتها الأولى بالطبيعة بوصفها معلمًا فلسفيًا. هناك، امتزج الدم بترابٍ يعرف القسوة والحنان معًا، وتعلّمت الروح أنّ الهوية ليست شعارًا، بل ذاكرة جسدية تسكن العظم.ثم انفتحت التجربة على سهول الرسوبية، حيث يغيّر العراق نبرته من صلابة الجبل إلى ليونة الطين. في تلك السهول، يتعلّم الإنسان معنى الامتداد، ويكتشف أنّ الثبات ليس نقيض الحركة، بل شكلها العميق. هناك، صار الصوت أكثر دفئًا، وأكثر انحناءً على الإنسان، وكأن الغناء تحوّل إلى فعل مصالحة بين الجغرافيا والوجدان. الشمال لم يعد نقيض الجنوب، بل مرآته الأخرى، والعراق بدا ككائنٍ واحد تتعدد أعضاؤه ولا ينقسم.الانتقال إلى الخليج لم يكن قطيعة، بل إضافة إلى المخزون السمعي والروحي. أما لندن، فكانت اللحظة الفاصلة؛ مدينة لا تمنحك هويتك جاهزة، بل تضعك أمام السؤال العاري: من أنت حين تُنزَع عنك الجغرافيا؟ في لندن، استقرّ الجسد، لكن الروح دخلت في امتحان طويل مع الغربة. هناك، التقت بالفنان العراقي الراحل الفريد جورج، وكان اللقاء أشبه بلحظة كشفٍ فلسفي؛ حين أخبرها أنّ في صوتها هويةً عراقية مدفونة، لم يكن يشير إلى طبقة صوتية، بل إلى قدرٍ مؤجَّل.
مع فرقة التراث العراقي، بدأت رحلة الوعي بالتراث بوصفه كيانًا حيًا، لا متحفًا. تعلّمت الصولفيج، ولامست العود، لكن الأهم أنّها تعلّمت الإصغاء إلى الذاكرة العراقية كما هي: متعبة، غنية، متناقضة، وعميقة. في حفلات لندن، لم يكن الغناء عرضًا فنيًا بقدر ما كان فعل مقاومة رمزية، وكانت الأغنية وطنًا مؤقتًا لجاليةٍ عطشى لذاتها.ثم جاءت محطات التوقّف الظاهري: ألبوم لم يُنصفه الإنتاج، دراسة جامعية في الإعلام، عمل صحفي، تجربة إذاعية، زواج، وأمومة. سكت الصوت زمنًا، لكن المسيرة لم تتوقّف. فبعض الصمت ليس انقطاعًا، بل تخمّرًا بطيئًا للمعنى. وحين عادت، عادت أكثر وعيًا بثقل الصوت، وأكثر إدراكًا لمسؤوليته الأخلاقية والجمالية.العودة عبر أكاديمية الفنون والتراث العربي في لندن لم تكن مصادفة، بل اكتمال دائرة. هناك، استعاد الصوت حقّه في الوجود بوصفه مشروعًا لا هواية. ومع ثورة تشرين العراقية، لم يكن الغناء ترفًا، بل موقفًا وجوديًا. العمل الوطني الذي قدّمته لم يكن نشيدًا عابرًا، بل شهادة انتماءٍ ناضجة، جاءت بعد رحلة طويلة من التأمل والتجربة.
تنوّعت أعمالها، واختلفت لهجاتها، وتعدّدت ألوانها، لكن الخيط الفلسفي ظلّ واحدًا: البحث عن وطنٍ في الصوت، وعن معنى في الغناء. من الأغنية الوطنية إلى العاطفية، من التراث إلى المعاصر، كانت نوال خان تمشي بخطى هادئة، مدركةً أنّ الفن الحقيقي لا يُقاس بالضجيج، بل بالأثر العميق الذي يتركه في الوجدان.
نوال خان ليست ظاهرة فنية عابرة، بل تجربة إنسانية تشكّلت عبر الزمن. صوتها ليس صدى مدينة واحدة، بل حاصل جمع مدن، وذاكرة أمكنة، وخساراتٍ صامتة، وانتصاراتٍ مؤجّلة. هي ابنة الترحال، وابنة الصبر، وابنة السؤال العراقي الكبير: كيف نغنّي ونحن نحمل هذا القدر من التاريخ؟في زمنٍ صار فيه الصوت سلعة، بقي صوتها موقفًا. وفي عالمٍ يلهث خلف السرعة، اختارت المشي ببطء، لأنّ الفن، مثل الحكمة، لا يولد مستعجلًا.تلك هي نوال خان: سيرةُ صوتٍ، وسيرةُ امرأةٍ، وسيرةُ وطنٍ يمشي على الحبال الدقيقة بين الألم والجمال، ويصرّ، رغم كل شيء، على أن يُغنّي.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.
- من هندسة الانهيار إلى فلسفة الولادة الجديدة
- بين الدولة والوصاية… تأملات في لحظة الاختبار العراقي
- عندما تحكمنا الزواحف… ولا نملك شجاعة الاعتراف
- سادة الفشل المحترمون
- من سيبويه إلى سيب البويه: تطوّر اللغة من المعنى إلى المصلحة
- إيران بين طبول الحرب ومرايا الخديعة
- أقنعة العالم
- «أنا الذي نزف كي لا يكذب»


المزيد.....




- طفلة ظريفة بعمر 6 سنوات تحقق رقمًا قياسيًا ببيع أكثر من 75 أ ...
- رئيس وزراء إثيوبيا يوجه رسالة بشأن نهر النيل: -يجب أن يرتوي ...
- ماذا يخبرنا عام 1979 عما قد يحدث في إيران اليوم؟ - مقال في ا ...
- انقسام داخل إسرائيل.. بينيت يحذر: دولة حريدية مستقلة تتشكل ف ...
- -عملية أمنية ضد غالانت-.. جاسوس لإيران يمثل أمام القضاء الإس ...
- رشيد حموني يطالب رئيس الحكومة بتعميم الدعم على كافة الأقاليم ...
- أخبار اليوم: إندونيسيا تجهز ألف جندي لنشر محتمل في غزة
- دول عربية تستنكر مصادقة الحكومة الإسرائيلية على مشروع قرار ل ...
- غزة: ترامب يدعو حماس للتخلي عن سلاحها بشكل -كامل وفوري- ونتن ...
- إيران: ترامب يراهن على إثارة الخوف لحسم المواجهة سلميا؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى