أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح














المزيد.....

حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8625 - 2026 / 2 / 21 - 07:32
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر على الأوطان من ضجيجٍ يُصنع بعناية، ولا أدهى على الوعي من معركةٍ تُختلق لتُخفي المعركة الحقيقية. في كلِّ زمنٍ مأزوم، حين تتراكم الأسئلة الكبرى حول الفساد والعدالة والهوية والدم المسفوح، ينبثق فجأةً موضوعٌ جانبيٌّ يُضخَّم، ويُزيَّن، ويُدفع به إلى الواجهة كأنّه القضية الأولى، حتى ينسى الناس أن خلف الستار مسرحًا آخر يُدار فيه العرض الحقيقي.ما أثير حول مسلسل "حمدية" لم يكن ـ في جوهره ـ جدلًا فنيًا بريئًا، بل كان اختبارًا آخر لقدرة الرأي العام على التمييز بين النقد المشروع والتحريض المصنوع. لم يشاهد كثيرون العمل، لكنهم أصدروا أحكامًا قاطعة، وكأنّ الفن لم يعد مساحةً للتأمل والسؤال، بل صار ساحةً لتصفية الحسابات الرمزية. وهنا يكمن الخطر: حين يتحول العمل الدرامي إلى ذريعةٍ لإشعال فتيلٍ نائم، لا لأنّه أساء، بل لأنّ هناك من أراد له أن يكون شرارة.الفن بطبيعته مرآة، والمرآة لا تختلق الندوب، بل تكشفها. حين يقترب مسلسل من شخصيةٍ كـ"حمدية" ـ امرأة عراقية من لحم هذا الواقع ودمه ـ فهو لا يبتدع المأساة، بل يسلّط الضوء على واحدة من آلاف الحكايات التي تتناسل في الظل. ليست حمدية طائفةً، ولا رايةً، ولا شعارًا، بل إنسانة تقف في منطقةٍ رمادية بين الفقر والخذلان والاختيارات القاسية. وإن كان في القصة ما يوجع، فليس لأن الدراما أوجعته، بل لأن الواقع أوجعنا جميعًا.لقد تعلّمنا من تجارب الشعوب أن الفن ليس ترفًا، بل ضرورة وعي. منذ مآسي الإغريق إلى مسرحيات شكسبير، ومن الرواية الواقعية إلى السينما الحديثة، ظل الفن يمارس دوره النقدي، يقترب من المسكوت عنه، ويضع الإصبع على الجرح. وحين يُحاصر الفن بحجّة "الدفاع عن الهوية"، يتحول الدفاع ذاته إلى سكينٍ تُذبح به الحقيقة. فالهوية التي تخاف من مرآةٍ درامية هي هوية هشّة، والهوية الراسخة لا تخشى النقد، بل تتقوّى به.العراق، الذي أنهكته الانقسامات المصطنعة أكثر مما أنهكته الحروب، ليس بحاجة إلى معارك رمزية جديدة. ما يحتاجه هو إعادة الاعتبار للوعي الجمعي، أن نفرّق بين نقد عملٍ فني وبين استثماره لإعادة تدوير الفتنة. كم من مرةٍ جرى تحويل الأنظار عن قضايا المخدرات، عن المال المنهوب، عن الدم الذي سُفك بلا حساب، إلى قضيةٍ جانبية تُستهلك فيها الطاقات، ويُستنزف فيها الغضب، حتى إذا خمدت، بقيت القضايا الكبرى على حالها.
إن أخطر ما يمكن أن يُفعل بالفن هو تحميله ما ليس فيه، وتجييش الجيوش الإلكترونية حوله، حتى يصبح إعلانًا مجانيًا له، في مفارقةٍ ساخرة: الذين أرادوا إسكاته هم أنفسهم من رفعوا صوته. لكن السؤال الأعمق ليس في الضجة، بل في دوافعها. لماذا نحتمل مشاهد الفساد الواقعي، ونغضب من تمثيله؟ لماذا نصمت عن نزيف المجتمع، ونثور على حكايةٍ تُروى عنه؟ أليست المشكلة في الجرح لا في من كشفه؟
الفن، حين يكون صادقًا، لا ينحاز إلى طائفةٍ ضد أخرى، بل ينحاز إلى الإنسان. ودوره ليس التجميل، بل الإضاءة. قد يخطئ عملٌ ما في المعالجة، وقد يُنتقد فنيًا أو فكريًا، وهذا حقٌ مشروع، بل هو شرط تطوّر الإبداع. لكن تحويل النقد إلى حملة تشويه، وتحويل العمل إلى ساحة استقطاب، هو اغتيال مزدوج: اغتيال للفن، واغتيال للعقل.إن المجتمعات التي تخاف من سرد حكاياتها المؤلمة تبقى أسيرة لها. أما التي تجرؤ على تحويل الألم إلى نصٍّ وصورةٍ ومشهد، فإنها تبدأ أول الطريق إلى الشفاء. "حمدية" ـ كرمزٍ درامي ـ ليست تهمةً لأحد، بل سؤالًا مفتوحًا: كيف وصلنا إلى هذا الحد؟ ومن المسؤول عن اتساع الفجوة بين القيم المعلنة والواقع المعاش؟ هذا السؤال، إن طُرح بصدق، أخطر على الفساد من ألف شعار.لسنا بحاجة إلى إعادة إشعال فتنة الهوية كلما ظهرت قصةٌ على الشاشة. العراق أكبر من أن يُختزل في شخصية، وأعمق من أن يُختطف بوسمٍ طائفي. الدم الذي سُفك لم يكن يسأل عن الانتماء، والوجع لم يكن يفرّق بين اسمٍ واسم. وإذا كان هناك من يصرّ على إعادة تدوير الخوف، فإن الوعي هو السلاح الوحيد الذي يُفشل لعبته.سيبقى الفن مساحة اختبارٍ أخلاقي للمجتمع: هل نملك شجاعة النظر إلى أنفسنا؟ أم نفضّل كسر المرآة؟ في كل مرةٍ نختار فيها كسرها، نؤجّل المواجهة، لكننا لا نلغي الحقيقة. أما حين نختار النظر، حتى وإن كان مؤلمًا، فإننا نبدأ في إعادة صياغة علاقتنا بذواتنا.إن الضجيج يزول، لكن النصّ يبقى. والحملات تنتهي، لكن الفكرة تعيش. وما بين الضجيج والفكرة، يقف المثقف الحقيقي، لا ليصفّق ولا ليشتم، بل ليفكّر. لأن دور الفن في نهاية المطاف ليس إثارة الغبار، بل إزالة الغشاوة.
والأوطان التي تفهم هذه الحقيقة، لا تخشى مسلسلاً، بل تخشى أن تفقد قدرتها على التفكير.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...
- العراق: منارة الإعلام وصوت الأمة الذي لم يخفه أحد..قزم أمام ...
- من الحليب إلى البصل… كيف نُخرّج الخراب بعناية عراقية فائقة.


المزيد.....




- مسيّرة روسية تقتل طفلة ووالدتها في حديقة بأوكرانيا
- إيران تؤكد ثبات موقفها من مفاوضات أمريكا.. وبزشكيان: -نأكل ا ...
- اليمن.. تحذير أمُمي من تفاقم الأزمة الإنسانية في تعز ومطالب ...
- عقيد في الجيش النمساوي يحدد حالة ستضطر أوكرانيا لعقد اتفاق س ...
- ترامب يعلن إنفاق أكثر من 400 مليون دولار من ماله الخاص لدعم ...
- الدولار يسجل مستوى قياسيا جديدا أمام الجنيه لأول مرة منذ 7 أ ...
- ويتكوف إلى روسيا الأربعاء حاملا مقترحات -سلام أمريكية أوروبي ...
- السيسي يوجه الحكومة بإنشاء مشروع سكني ضخم
- الاتحاد الأوروبي يرفض مصادقة البرلمان الليبي على الاتفاقية ا ...
- البرلمان الفرنسي يقر نهائيا إلغاء قانون أسود و-لا انساني- يع ...


المزيد.....

- محمد أركون ونقد الأنوار. / ابراهيم ازروال
- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح