أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.














المزيد.....

حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 15:00
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر ما في التاريخ أن يسقط رجلٌ من موقعه، بل أن تبقى الفكرة التي صنعت ظله حيّةً في العقول، تتكاثر كأنها قدرٌ لا يُردّ. فالأسماء عابرة، مهما ارتفعت، ومهما أحاطت نفسها بهالات القداسة السياسية، لكن المنظومات حين تتجذر في بنية الوعي الجمعي تتحول إلى ما يشبه العقيدة المغلقة التي ترى في العالم مرآةً لذاتها، لا شريكًا في الوجود. ومن هنا فإن السؤال عن نهاية «القرامطة الجدد» ليس سؤالًا عن غياب قائد أو أفول مرحلة، بل عن مصير عقلٍ سياسي تشكّل على قاعدة أن الصلابة فضيلة مطلقة، وأن التراجع خيانة، وأن الوطن يمكن أن يُختزل في مشروعٍ عابر للحدود. لقد علّمنا التاريخ، منذ تجربة القرامطة حتى انكسار الحشاشيون، مرورًا بأفول الدولة الفاطمية، أن السلطة التي تتغذى على الانغلاق تلتهم نفسها حين تعجز عن قراءة تحولات الزمن، وأن الشعارات حين تعلو فوق الواقع تتحول إلى عبءٍ عليه، وأن الدولة التي تُبنى على فكرة الاصطفاء لا تلبث أن تصطدم بحقائق الجغرافيا والديموغرافيا ومصالح الناس. إن الرهان على أن غياب شخصية مركزية سيُدخل الاعتدال إلى بنيةٍ عقائدية مغلقة هو رهان على ظلٍ لا على جسد؛ فالمشكلة ليست في الرأس وحده، بل في الجسد الذي تربّى طويلًا على طاعة الفكرة قبل طاعة الواقع، وعلى معاداة المرونة بوصفها ضعفًا لا بوصفها حكمة. لذلك فإن ما نشهده من ارتباكٍ أو تصعيدٍ ليس بالضرورة علامة قوة، بل قد يكون ارتعاشة انتقالٍ لم تتضح ملامحه بعد، إذ في لحظات الفراغ تكثر المزايدات، ويتسابق الورثة إلى إثبات أنهم الأشد إخلاصًا للنص الأول، فيغدو التشدد وسيلة إثبات، ويغدو التصعيد خطابًا لإخفاء هشاشة المركز. غير أن السؤال الأعمق، والذي يتجاوز حدود الجغرافيا الإيرانية إلى عمق الوجدان العراقي، هو سؤال الولاء ومعناه: هل الأولوية للوطن بوصفه بيتًا جامعًا، أم لمشروعٍ يتجاوز حدوده ويستعمل أبناءه أوراقًا في لعبة إقليمية مفتوحة؟ إن القضية ليست مذهبًا في ذاته، فالمذاهب مدارس روحية وفكرية، لكنها حين تتحول إلى أدوات سياسية تفقد صفاءها وتغدو وسائل تعبئة لا وسائل هداية. العراق، بتاريخه الذي يسبق المحاور كلها، وبحضارته التي سبقت الانقسامات الحديثة، لا يحتمل أن يكون ساحةً لتصفية حسابات الآخرين، ولا أن يُختزل في محورٍ أو شعار. وحين يُساق شبابه إلى حروبٍ لا تعود عليه إلا بالخسارة، فإن الذي يُستنزف ليس طائفة بعينها، بل الكيان الوطني بأسره، لأن الأوطان لا تُقاس بحجم الشعارات التي تُرفع باسمها، بل بقدرتها على حماية حياة أبنائها وكرامتهم. أما عن احتمالات الحرب، فإنها تظل كامنة في كل مشروعٍ يرى في الصدام وسيلة بقاء، غير أن الحروب لم تعد دائمًا مدافع ودخانًا، بل قد تكون حصارًا اقتصاديًا طويلًا، أو استنزافًا أمنيًا متواصلًا، أو إنهاكًا اجتماعيًا يجعل الناس يدفعون ثمن صراعٍ لا يملكون قراره. ومع ذلك، فإن حركة التاريخ لا تسير في خطٍ مستقيم يخضع لإرادة طرفٍ واحد؛ فهي دورةٌ تتبدل فيها المواقع، وتُختبر فيها الأفكار بقدرتها على التكيّف لا بقدرتها على الصراخ. إن المنظومات التي تُصرّ على إدارة العالم بعقلية الثأر تعيش دائمًا على حافة القلق، لأنها تعرف في أعماقها أن الحياة أوسع من حدودها، وأن الشعوب، مهما طال صبرها، تملك في لحظةٍ ما أن تعيد تعريف المعادلة. هل انتهى حكم «القرامطة الجدد»؟ ربما لم تنطفئ شعلته بعد، لكن النار التي لا تجد وقودًا من رضا الناس تتحول إلى رمادٍ يتطاير مع أول ريح. إن الوطن أكبر من أي فكرة مغلقة، وأبقى من أي محور، وأعمق من أي ولاءٍ عابر للحدود، ومن يظن أن الزمن ملكٌ له وحده فليقرأ التاريخ قراءة من يرى نفسه فيه لا من يراقبه من بعيد، لأن الأيام لا تثبت لأحد، ولأن الأوطان قد تُرهق لكنها لا تموت، بل تنتظر أبناءها أن يختاروا بين أن يكونوا حراسًا لكرامتها أو شهودًا على انكسارها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب


المزيد.....




- الحرب على إيران في يومها الثالث.. انفجارات في طهران وغارات إ ...
- الدفاعات الأمريكية تحت الضغط.. أزمة الذخائر تهدد قدرة واشنطن ...
- استهداف ناقلة نفط جديدة بزورق مسير وتصاعد التوتر في مضيق هرم ...
- عائلة إليسون المقربة من ترامب -تسيطر- على الإعلام الأمريكي ب ...
- تطورات الحرب على إيران عبر الخريطة التفاعلية
- من العاصمة إلى الجهراء.. أئمة ومساجد تصنع ذاكرة رمضان في الك ...
- عاجل | وسائل إعلام إسرائيلية: ارتفاع عدد المصابين إثر سقوط ص ...
- الطراز والخوذة والموقع.. تفاصيل جديدة حول إسقاط مقاتلة أمريك ...
- تناقضات ترمب بحرب إيران.. ارتباك الرسائل وغياب خطة اليوم الت ...
- أكسيوس: الهجوم على إيران تأجل لمدة أسبوع


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.