أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .














المزيد.....

يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 21:21
المحور: قضايا ثقافية
    


في المثل الشعبي العراقي حكمةٌ تمشي حافيةً بين الناس، لا تحتاج إلى منبرٍ ولا إلى كتاب. “يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… وين أودي سجته وفدانه” ليس مجرد عبارة تُقال في مجلس، بل خلاصة فلسفة اجتماعية كاملة عن انقلاب الأدوار، وعن اللحظة التي يُجبَر فيها المتعالي على الصمت.الأگشر في الوعي الشعبي ليس صاحب عيبٍ خلقي، بل صاحب عيبٍ سلوكي؛ ذاك الذي يكشّر عن أنيابه بالكلام، يعلو صوته فوق الآخرين، يوزّع الاتهامات كما لو كانت صكوك غفران، ويظنّ أن لسانه سيفٌ لا يُكسَر. لكنه ينسى أن للسيف حدّين، وأن اللسان إذا طال أكثر مما ينبغي سيأتي يومٌ يُجبَر فيه صاحبه على عضّه.“عضّ اللسان” في الثقافة العراقية ليس ألمًا عابرًا، بل هو ندمٌ معلن، وتراجعٌ قاسٍ، واعترافٌ صامت بأن الزمن أقوى من الضجيج. هي لحظة الانكشاف، حين يصمت من كان يملأ الدنيا صخبًا، وحين تتبدّل المقاعد في مسرح السياسة، فيجلس الخطيب بالأمس في زاوية المتفرجين.حين انتشر خبر وفاة علي خامنئي، بدا المشهد الإقليمي كأنه تجسيد حيّ للمثل العراقي. في شوارع من طهران ومدنٍ إيرانية أخرى، خرجت فئات من الناس ترقص، لا شماتةً بالموت بقدر ما هو احتفالٌ بفكرة التغيير. الرقص هناك لم يكن ضد إنسان بقدر ما كان ضد مرحلة. كان إعلانًا بأن اللسان الذي طال، في نظرهم، قد حان وقت أن يعضّ نفسه.وفي المقابل، في العراق وبعض العواصم العربية، ارتفعت أصوات اللطم والنواح، وخُطبت المنابر بكلمات الرثاء، وكأن الفاجعة تخصّهم أكثر مما تخصّ أهل الدار. وهنا تتجلّى المفارقة الساخرة: الذين عاشوا تحت الظلّ انقسموا بين خوفٍ ورجاء، والذين عاشوا خارجه توحّد بعضهم في الحزن. فمن الأگشر إذن؟ ومن الذي عضّ لسانه؟ وأين نضع سجّتنا وفِداننا؟الفلسفة الشعبية أعمق من السياسة. فهي لا تحاكم شخصًا بقدر ما تحاكم سلوكًا. كل سلطةٍ تعتقد أن خطابها فوق النقد، وأن كلمتها قدرٌ لا يُراجَع، تزرع في داخلها بذرة “عضّ اللسان”. لأن التاريخ لا يحبّ الضجيج الطويل، بل ينتظر لحظة الصمت الكبرى.الموت، في جوهره، حدثٌ إنسانيٌّ محايد. لكنه في عالمنا العربي يتحوّل إلى ساحة اختبارٍ للعواطف المؤجلة. هناك من يرى في الرحيل فرصةً لبدايةٍ جديدة، وهناك من يراه انهيارًا لعالمٍ كامل. غير أن السؤال الأهم ليس عن الفرح ولا عن الحزن، بل عن معنى المرحلة التي انتهت. هل كانت مرحلة حوار أم مرحلة أوامر؟ هل كانت مساحة حياة أم مساحة خوف؟المثل العراقي لا يسخر من فردٍ بعينه، بل من وهم الديمومة. الأگشر يظنّ أن لسانه خالد، وأن صوته أعلى من الزمن. لكنه ينسى أن الزمن لا يردّ عليه بالصراخ، بل بالصمت. يجعله يعضّ لسانه، لا لأن أحدًا انتصر عليه، بل لأن اللحظة تغيّرت.وفي مشهد الرقص الإيراني واللطم العربي تتجلّى مأساة الوعي المنقسم. شعوبٌ تبحث عن معنى، فتختار التعبير الأشدّ صخبًا: إمّا رقصة خلاص، أو لطمة وفاء. لكن المستقبل لا يُصنع بالرقص وحده، ولا يُحمى بالدموع وحدها. المستقبل يُصنع حين يتحوّل الحدث إلى مراجعة، وحين يصبح موت الزعماء فرصةً لمساءلة الأفكار لا لتقديسها.
“يوم الأگشر يوم عضّ لسانه” ليست شتيمة، بل تحذير أخلاقي. كل خطابٍ لا يقبل النقد سيأتيه يومٌ يختنق فيه بكلماته. وكل جمهورٍ يصفّق طويلًا سيأتيه يومٌ يراجع فيه حساباته. فاللسان الذي كان مصدر القوة قد يصبح مصدر الحسرة.وهكذا يظل المثل الشعبي حيًّا، يتنقّل بين الأزمنة، يراقب سقوط الكلمات قبل سقوط الرجال. فإذا تبدّلت الأسماء وتغيّرت الوجوه، بقيت الحكمة ذاتها: لا شيء يدوم، ولا صوت يعلو فوق لحظة الحقيقة. وحين تأتي تلك اللحظة، لن يبقى للأگشر سوى أن يعضّ لسانه… ويتأمل صدى ما قال.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...


المزيد.....




- مصادر تكشف لـCNN كواليس عمل الاستخبارات على رصد خامنئي والاس ...
- صاروخ إيراني يخترق دفاعات إسرائيل ويحوّل كنيسًا إلى أنقاض.. ...
- كيف يؤثر مقتل خامنئي في مسار حرب إيران مع الولايات المتحدة و ...
- إسرائيل تنقل -جناح صهيون- إلى برلين بعيدا عن القتال
- من هم أبرز المسؤولين الإيرانيين الذين قُتلوا في غارات طهران؟ ...
- ماذا نعرف عن القدرات العسكرية الايرانية؟
- عسكريا.. ماذا يعني إسقاط إيران المسيّرة الأمريكية؟
- كيف ستتصرف إيران بعد اغتيال المرشد؟
- نجوم هوليوود بين السخرية والاحتجاج: من يملك قرار الحرب على إ ...
- جسر جوي أمريكي نحو المنطقة مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .