أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.














المزيد.....

ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8633 - 2026 / 3 / 1 - 18:46
المحور: قضايا ثقافية
    


حين يسقط رأسُ نظامٍ أمضى قرابة نصف قرنٍ في الحكم، لا يسقط شخصٌ فحسب، بل تسقط سرديةٌ كاملة، وتسقط معها شبكةٌ من الرموز والهالات والخطابات التي صيغت بعناية لتجعل من الزعيم قدَرًا، ومن الدولة امتدادًا لظلّه. الحديث عن مقتل مرشد إيران ليس خبرًا عابرًا في نشرةٍ سياسية، بل زلزالٌ في طبقات الوعي الجمعي للمنطقة، وارتجاجٌ في خرائط القوة، وامتحانٌ أخلاقيٌّ للعواطف قبل أن يكون اختبارًا للسياسة.كثيرون ظنّوا يومًا أن النظام الإيراني يحمل مشروعًا تاريخيًا متماسكًا، رؤيةً ممتدةً تعيد تشكيل الإقليم وفق عقيدةٍ صلبة. لكن الأعوام تكفّلت بتعرية المشهد؛ فبان أن المشروع لم يكن دائمًا سوى أداةٍ ضمن مشاريع أكبر، وأن الأداة حين تنتهي وظيفتها تُلقى في سلة الاستعمالات المنتهية. ليست هذه قراءةً انتقامية، بل خلاصة مسارٍ طويلٍ من التداخل بين العقيدة والسياسة، بين الشعار والدم، بين خطاب المظلومية وتكريس الميليشيات.سبعة وأربعون عامًا في الحكم زمنٌ كافٍ لبناء منظومة دفاعية راسخة تحمي الدولة وشعبها ومؤسساتها، لكن المفارقة أن نظامًا أعلن العداء لأقوى قوةٍ في العالم قبل أن يضمن حليفًا موثوقًا، بدا في لحظة الحسم هشًّا أمنيًا، مثقلاً بالاختراقات، منشغلًا بتمويل عشرات الأذرع خارج حدوده أكثر من انشغاله بتحصين بيته الداخلي. أموالُ شعبٍ أنهكه التضخم والعزلة والعقوبات صُرفت في خرائط النار الممتدة من عواصم عربية إلى مضائق وبحار، بينما الداخل كان يتآكل بصمت.وهنا يبرز السؤال الأخلاقي الذي لا مفرّ منه: هل يحق للمظلومين أن يفرحوا بمقتل من رأوه جلادًا أطلق الويلات في بلدانهم باسم الدين والشعارات الكبرى؟ من حيث الشعور الإنساني، الفرح بانكسار الظالم ردُّ فعلٍ مفهوم، فالذاكرة مثقلة بصور الضحايا، والندوب لا تُمحى بخطابٍ تصالحيٍّ سريع. لكن الفلسفة السياسية تُحذّرنا من أن تحويل الموت إلى احتفالٍ دائم يختزل المعركة في شخصٍ، بينما البنية التي أنجبته قد تبقى قادرةً على إعادة إنتاجه بأسماءٍ أخرى.اقتصدوا في تفاؤلكم. سقوط رأسٍ لا يعني سقوط منظومةٍ دفعةً واحدة. التاريخ الإيراني نفسه يُعلّمنا أن الانتقال من الشاه إلى الجمهورية الإسلامية لم يكن انتقالًا من قسوةٍ إلى نعيمٍ، بل تبدّلًا في طبيعة السلطة وأدواتها. نظام الشاه لم يكن صديقًا حميمًا للعرب، كما أن الجمهورية لم تكن حليفًا وديعًا. الجغرافيا السياسية لا تُدار بالعواطف، بل بمصالح متشابكة، وثقافات دولةٍ عميقةٍ تعرف كيف تحافظ على نفوذها ولو تغيّرت الوجوه.أي نظامٍ قادمٍ في طهران سيرث ركامًا ثقيلًا: اقتصادًا مثقلًا بالعقوبات، بنيةً اجتماعيةً متعبة، جيلًا كاملًا عاش بين شعارات الثورة وواقع الضيق. سيكون مشغولًا بترميم الداخل قبل أن يفكّر في تصدير الأيديولوجيا. والبديل – إن تشكّل – لن يولد في فراغ؛ بل في سياقٍ دوليٍّ وإقليميٍّ يفرض شروطه. من المرجح أن تُعاد صياغة دور إيران وفق “دفتر شروط” غير مكتوب، يضغط باتجاه دولةٍ تنكفئ إلى حدودها، أو على الأقل تُعيد حساباتها في لعبة الأذرع الممتدة.غير أن المشهد أكثر تعقيدًا من ثنائية السقوط والانكفاء. فالدولة التي استطاعت، رغم عزلتها، أن تُنشئ شبكات نفوذ عابرة للحدود، لن تتحول بين ليلةٍ وضحاها إلى كيانٍ منزوع التأثير. النفوذ لا يُسحب كقابس كهربائي؛ إنه يتلاشى تدريجيًا أو يُعاد تدويره في صيغٍ أقل صخبًا وأكثر براغماتية. وهنا يكمن الخطر: أن يُستبدل الخطاب الثوري الصارخ بخطابٍ ناعمٍ يخفي الاستراتيجية ذاتها.في خضمّ ذلك، يعلو صوتٌ عربيٌّ جديد يتحدث بثقةٍ مختلفة. لم يعد العربي – كما كان في عقودٍ سابقة – ساحةً صامتةً تُدار فوقها الصراعات. اليوم ثمة دولٌ عربيةٌ تفرض شروطها في الإقليم، تتحرك بدبلوماسيةٍ نشطة، وتُدرك أن أمنها لا يُترك رهينةً لمغامرات الآخرين. وقد أظهرت مواقف بعض دول الخليج – التي سعت إلى منع تحويل أجوائها إلى منصات حرب، وحاولت تجنيب المنطقة مواجهةً شاملة – أن الحسابات لم تعد بسيطة كما كانت.وإذا صحّت روايات عن أن ضربةً افتتاحية وُجهت لإيران من محيطٍ لم تكن تتوقعه، فإن ذلك يكشف عن خللٍ عميقٍ في قراءة التحولات. بل يفتح باب السؤال الأخلاقي والسياسي معًا: ما مبرر استهداف دولٍ كانت أرضًا للتفاوض ومحاولة التهدئة؟ حين تضرب الوسيط، فأنت تُعلن أن منطق القوة غلب منطق العقل، وأن الغضب طغى على الحساب.العبد الحقيقي – كما تقول الحكمة – هو من يُدمّر وطنه إرضاءً لمرشدٍ عجز عن حماية نفسه، أو لمشروعٍ تبيّن أنه نمرٌ من ورق. أما الشراكة الحقيقية في عالم اليوم فليست تبعيةً لشعارٍ عابر، بل قدرةٌ على صياغة المصلحة بوعيٍ وسيادة. وإذا كان سقوط المرشد نهاية فصل، فهو ليس نهاية الرواية. الرواية تُكتب الآن في طهران، وفي العواصم العربية، وفي مراكز القرار الدولية.من حقّ من اكتووا بنار السياسات الإيرانية أن يشعروا بانفراجٍ ما، لكن الفلسفة تُعلّمنا أن نفرّق بين عدالة الشعور وحكمة التوقع. فالتاريخ لا يمنح الشعوب مكافآتٍ فورية، بل يختبرها ببدائل قد تكون أقل صخبًا وأشد دهاءً. والسؤال الحقيقي ليس من يخلف المرشد فحسب، بل أي إيران ستولد من تحت الرماد: إيران الجريحة المنكفئة، أم إيران البراغماتية التي تُغيّر جلدها لتبقي جوهرها؟بين نشوة السقوط وقلق البديل، تقف المنطقة على عتبة زمنٍ جديد. لا أحد يملك يقينًا كاملًا، لكن المؤكد أن مرحلة “تصدير الثورة” كما عرفناها لن تعود بالشكل ذاته. ما سيأتي قد يكون أكثر هدوءًا، وربما أكثر تعقيدًا. ولهذا، لا بأس أن تفرحوا بسقوط رأسٍ رأيتم فيه رمزًا للشر، لكن اقتصدوا في تفاؤلكم بالعصابة القادمة؛ فالدول لا تُقاس بنوايا خلفائها، بل ببنية مصالحها، وموازين قواها، وذاكرتها الطويلة التي لا تنام.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن
- العالَمُ حينَ يلبسُ قناعَه الأسود
- مرآة الخراب
- نوال خان… حين يعود الصوت إلى بغداد حاملاً ذاكرة الغربة ووجع ...
- بين سيادةٍ كانت تُرى في الظلّ، وفوضى تُدار في وضح النهار: تأ ...


المزيد.....




- تحليل: مقتل خامنئي.. هل يفتح الباب لنتائج مرضية لأمريكا وإسر ...
- الجيش الأمريكي يعلن عن أول قتلى وجرحى بين جنوده في العملية ض ...
- 24 ساعة الأخيرة قبل مقتل خامنئي وبداية الهجمات الأمريكية وال ...
- إعلان مقتل الرئيس الأسبق أحمدي نجاد في هجوم جوي على طهران
- الحرب في الشرق الأوسط: قتلى في إسرائيل والإمارات والكويت جرا ...
- عاجل | القيادة المركزية الأمريكية: مقتل 3 جنود وإصابة 5 بجرو ...
- كيف سترد الإمارات على الهجمات الإيرانية؟ ريم الهاشمي توضح لـ ...
- خريطة بالدول التي استهدفتها إيران بعد الهجمات الأمريكية الإس ...
- بانتظار اختيار خليفة لخامنئي.. مجلس مؤقت يقود إيران: ماذا نع ...
- تقرير إسرائيلي: ما سيُكشف عن اغتيال خامنئي سيصدم الجميع


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.