أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.














المزيد.....

سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8638 - 2026 / 3 / 6 - 01:38
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي يكثر فيها البارود، يصبح الدخان أبلغ من الخطب، وتصبح الصواريخ أكثر صدقاً من البيانات السياسية التي تُكتب بحبر الدبلوماسية البارد. فالحروب، مهما حاولت أن تتنكر في هيئة عمليات عسكرية محدودة أو ضربات تكتيكية محسوبة، تظل في حقيقتها امتحاناً فاضحاً للأفكار قبل أن تكون امتحاناً للأسلحة. وكل صاروخ ينطلق في سماء الشرق ليس مجرد قطعة حديد ملتهبة، بل هو سؤال فلسفي ثقيل يسقط على رؤوس الشعوب: من كان يحرس هذا الخراب طوال هذه العقود؟إن المفارقة التي تصيب العقل بالدوار أن الشرق العربي عاش سنوات طويلة تحت ظل رواية مرعبة عن قوةٍ أسطورية تُخزّن في كهوفها آلاف الصواريخ، وتعد العدة لليوم الذي ستهتز فيه الأرض تحت أقدام خصومها. كان المشهد أشبه بمسرحية رعب طويلة، يخرج فيها الوعيد كل مساء، وتُرفع فيها القبضات كل صباح، بينما تُصرف ثروات الشعوب على مصانع الموت التي لا تنتج سوى المزيد من القبور.لكن حين اندلعت النيران الكبرى، اكتشف الناس أن الحقيقة أكثر سخرية من الخيال نفسه.
لقد بدت المنطقة وكأنها تقف أمام مرآة هائلة، مرآة تكشف أن الجبال التي قيل إنها من فولاذ كانت في كثير من الأحيان أكواماً من الخطابات، وأن القوة التي رُسمت في المخيلة الشعبية كإمبراطورية نار لم تكن سوى شبكة معقدة من الخوف والدعاية والتكتيك الطويل في اللعب على حبال الطائفية.ويا للمفارقة القاسية…فبينما كانت الصواريخ تتطاير في السماء،كانت الحقيقة تتساقط على الأرض. الحقيقة التي تقول إن الأنظمة التي تبني مجدها على تخزين النار، غالباً ما تنسى أن الشعوب لا تأكل البارود، ولا تشرب الوقود الصاروخي، ولا تستطيع أن تدفئ أطفالها ببيانات النصر.لقد بدا الشرق، في تلك اللحظة، وكأنه يكتشف متأخراً أن مصانع الصواريخ قد تحولت عبر السنوات إلى مصانع للوهم. فالقوة التي تُختزن في المخازن لا تصبح قوة حقيقية إلا حين تكون محمية بعقل سياسي رشيد، أما حين تُدار بعقل أيديولوجي مهووس بالثأر التاريخي،فإنها تتحول إلى قنبلة موقوتة في جسد الأمة التي صنعتها قبل أن تكون خطراً على الآخرين.إن الفلسفة الساخرة للحروب تقول إن الطغاة غالباً ما يحبون الصواريخ أكثر من البشر، لأن الصاروخ لا يسأل عن الخبز، ولا يطالب بالحرية، ولا يكتب على الجدران كلمات الغضب.ولهذا كان الشرق طوال سنوات يشاهد مسرحية غريبة: شعوب فقيرة، ومدن منهكة،واقتصادات تتآكل، بينما تُعلن الإمبراطوريات الورقية عن امتلاكها ترسانات من الحديد تكفي لإحراق نصف الكوكب.لكن السؤال الذي لم يُطرح بجدية إلا متأخراً كان بسيطاً للغاية: ماذا لو انفجرت هذه الترسانة داخل التاريخ نفسه؟وهذا ما حدث تقريباً.فحين احتدمت المواجهة الكبرى،بدا أن المنطقة بأكملها تدخل مختبراً قاسياً للحقيقة. وظهرت فجأة تلك اللغة التي تختفي عادةً خلف الأقنعة السياسية: لغة الخوف.إن الأنظمة التي بنت خطابها لعقود على صورة القوة المطلقة، تجد نفسها في اللحظة الحرجة مضطرة إلى اكتشاف فضيلة التواضع السياسي. وتلك العمائم التي كانت تتحدث بلغة الفتوحات، تبدأ فجأة بإرسال رسائل مطمئنة، وتكتشف أن العالم لا يُدار بالشعارات وحدها.هنا تحديداً تبدأ السخرية التاريخية.فالشرق الذي عاش طويلاً تحت ظل الحروب بالوكالة، وجد نفسه فجأة أمام سؤال بسيط لكنه موجع: من كان يحارب من لقد تحولت المنطقة طوال سنوات إلى رقعة شطرنج ضخمة، تتحرك فيها الجيوش الصغيرة بأوامر من لاعبين كبار، بينما تُسحق المدن تحت أقدام الأيديولوجيات المتصارعة.والمأساة أن كثيراً من هذه الحروب لم تكن في جوهرها سوى حروب نفوذ تُخاض باسم العقائد، بينما الحقيقة أبسط بكثير:السلطة دائماً تبحث عن الذرائع التي تمنحها حق إشعال النار.وما أشد قسوة أن تكتشف الشعوب بعد سنوات طويلة أن تلك النيران التي أُضرمت باسمها لم تكن في كثير من الأحيان سوى حطبٍ لمواقد السياسة الكبرى.إن الشرق العربي اليوم يقف فوق ركام أسئلة ثقيلة.أسئلة عن عقود طويلة من الخوف، وعن مشاريع سياسية بُنيت على فكرة تصدير الثورة، وكأن التاريخ يمكن أن يُصدَّر كما تُصدَّر السلع. لكن التاريخ، كما يعلم الفلاسفة، لا يقبل أن يُنقل في صناديق، ولا يمكن أن يعيش خارج تربة الشعوب.ولهذا فإن المشاريع التي تحاول أن تُلبس التاريخ ثوب الطائفة، غالباً ما تنتهي إلى كابوس طويل من الدم.إن أكثر ما يوجع في هذه الحكاية ليس الصواريخ التي سقطت، بل الأعوام التي سقطت من عمر الشعوب وهي تصدق أن الخلاص سيأتي من فوهة المدفع.فالمدافع لا تكتب التاريخ، بل تكتب نهاياته.وكلما طالت الحروب، اكتشف الناس أن الذين يملكون أكبر مخازن السلاح هم غالباً أكثر الأنظمة خوفاً من شعوبهم.لهذا يبدو المشهد اليوم أقرب إلى ملهاة سوداء: أنظمة تتحدث عن الانتصار بينما المدن تئن، وقوى كبرى تتحدث عن الاستقرار بينما الخرائط تُعاد رسمها بالنار، وشعوب تبحث في كل هذا الضجيج عن شيء بسيط اسمه الحياة.ربما لن تنتهي هذه الحكاية قريباً، فالتاريخ في هذه المنطقة يشبه نهراً قديماً يحمل في مياهه ذاكرة طويلة من الدم والأساطير. لكن المؤكد أن الشرق بدأ يكتشف شيئاً مهماً: أن القوة التي تُبنى على الخوف لا تعيش طويلاً، وأن الصواريخ مهما ارتفعت في السماء ستعود في النهاية إلى الأرض.
وحين تسقط…لن تفضح المدن التي أصابتها فقط،بل ستفضح أيضاً الأوهام التي صُنعت باسمها طوال عقود.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ


المزيد.....




- -احتراق مدمرة أمريكية جراء هجوم صاروخي إيراني-.. ما حقيقة ال ...
- إليكم التكلفة المتوقعة للحرب مع إيران على أمريكا بشكل يومي
- 1.5 مليار دولار في أول 100 ساعة فقط.. تحليل لتكلفة الحرب ضد ...
- CNN ترصد تصاعد الدخان في سماء طهران وسط أنباء عن قصف مكثف
- وزيرة إسرائيلية تشرح: لماذا تقف أميركا إلى جانب إسرائيل في ا ...
- المملكة المتحدة: انطلاق معرض -كرافتس- في برمنغهام بمشاركة أك ...
- حرب إيران: ترامب يشجع الأكراد على الانخراط وأذربيجان تتحضر ل ...
- غارات إسرائيلية عنيفة على عدد من الأبنية في الضاحية الجنوبية ...
- تحقيق أمريكي يرجح مسؤولية واشنطن عن قصف مدرسة للبنات بإيران ...
- نازحو البقاع.. رحلة هروب من القصف تنتهي بمعاناة داخل مراكز ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.