أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .














المزيد.....

وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 12:11
المحور: قضايا ثقافية
    


بالأمس لم يمت رجلٌ فحسب، بل انطفأ صوتٌ كان يشبه طبول المعارك حين تضرب في قلب التاريخ، ويشبه بكاء الأمهات حين يختلط الفخر بالفقد. رحل أديب ناصر، الشاعر الفلسطيني الذي اختار أن يكون للعراق كما هو لفلسطين، وأن يجعل من القصيدة بندقيةً أخرى، ومن الكلمة رايةً لا تنكسر. رحل الجسد، وبقيت تلك النبرة التي كانت تهز وجدان العراقيين أيام القادسية الثانية، حين كانت الكلمات تسبق الرصاص، وتمنح الجنود أسماءهم الخالدة.
كان أديب ناصر شاعرًا لا يكتب من مقعد المتفرج، بل من خندق الروح. لم يكن العراق بالنسبة له محطة عابرة في دفتر التضامن العربي، بل كان جرحًا آخر في جسده الفلسطيني، كأن بغداد امتداد لغزة، وكأن الفرات يصبّ في بحر حيفا. في قصائده لم يكن ثمة فرق بين زيتون فلسطين ونخيل البصرة؛ كلاهما ظلٌّ لشمسٍ واحدة، وكلاهما شاهدٌ على أن الأرض لا تخون أبناءها وإن خانها العالم.
ثمانية دواوين تركها خلفه، أبرزها “أبحث عني”، وكأن العنوان كان اعترافًا مبكرًا بأن الشاعر لا يجد نفسه إلا في أوطان الآخرين، في جراحهم، في صراخهم، في انتصاراتهم وانكساراتهم. وكتب مسرحيته الشعرية “زبيبة والملك” مستحضرًا الرمز حين تضيق العبارة المباشرة، وكأنه كان يدرك أن الشعر إذا لم يتحوّل إلى مسرحٍ للحرية، صار حبرًا باردًا لا يشعل شيئًا.
حين كان صوته يصدح: “يا شبل زين القوس سلِّم على القسطل وقل له عدنا، عدنا ولم نرحل”، لم يكن ينشد نشيدًا عابرًا، بل كان يعيد صياغة الذاكرة، ويزرع في الوعي العراقي يقين العودة. كانت أناشيده تتردّد في ساحات المعركة كما تتردّد في البيوت، في المقاهي، في المهرجانات، حتى صار اسمه مقترنًا بلقب “شاعر القادسية”، وهو لقب لم تمنحه سلطة، بل منحته الجماهير التي وجدت في صوته صدىً لقلقها وكبريائها.
في مهرجان المربد، حيث كانت القصيدة العربية تختبر نبضها، كان يتجاور مع قاماتٍ عربية حملت العراق في قلوبها، من أم درمان إلى البصرة، ومن الخرطوم إلى بغداد. هناك، حيث كان الشعراء يتنافسون لا على المدح، بل على مقدار الصدق في الحب، كان العراق يبدو أكبر من حدوده الجغرافية، وأوسع من خرائط السياسة. كان وطنًا شعريًا، تتقاطع عنده مصائر العشاق والثائرين.وإذا ذُكر الشعر، لا يمكن أن يُنسى أولئك الذين جعلوا من الكلمة نارًا مضيئة، من أمثال عبد الرزاق عبد الواحد الذي صرخ: “لا والله والعباس توكع زلم فوق الزلم والبصرة ما تنداس”، فجعل من القسم قصيدة، ومن القصيدة موقفًا. وكذلك سيف الدين الدسوقي الذي رأى في العراق مرآةً لثورات أم درمان، فكان صوته عابرًا للحدود. وحين سألت سعاد الصباح: “لماذا أحب العراق؟” كانت في الحقيقة تسأل سؤال الشعراء جميعًا: لماذا تتسع هذه البلاد لكل هذا الحب، رغم كل هذا النزف؟
لماذا يحب الشعراء العراق؟
لأن العراق ليس مكانًا فحسب، بل حالة وجدانية. لأنه البلاد التي تعادل ألف صلاة، كما قالت سعاد الصباح، ولأن المقام العراقي يدخل القلب من جميع الجهات، فيصير اللحن ذاكرةً، والذاكرة وطنًا. يحبونه لأنه يشبه القصيدة حين تكون صادقة: متعبة، عميقة، ومشبعة بالألم النبيل.أديب ناصر أحب العراق لأنه رأى فيه صورة فلسطين الأخرى؛ رأى فيه الحصار ذاته، والدم ذاته، والعناد ذاته. كان يعرف أن الجرح إذا لم يتحوّل إلى أغنية، سيتحوّل إلى صمت، وأن الصمت موتٌ بطيء. لذلك كتب، وغنّى، وصرخ، حتى صار صوته جزءًا من ذاكرة مرحلة كاملة.
في إحدى شذراته قال:
“ولا أحكي.. وأسمعني
ولا أمشي.. وأتبعني
إذا ما جعت.. أطعمني
إذا ما تهت.. عرّفني
فإن بُعدًا يُغرّبني
سيلحقني
ويحضنني
ويرجعني
إلى وطني
أنا.. وطني.”
كأن الشاعر كان يخاطبنا نحن، لا شخصًا بعينه. كأن الوطن عنده ليس خارطةً، بل علاقة. ليس أرضًا فحسب، بل حضنًا يعود إليه كل من تاه. وحين قال: “نحن موتٌ وقيامة”، كان يختصر فلسفة الشاعر المناضل: أن يموت جسدًا ليحيا فكرة، وأن يختفي صوتًا ليصير صدى.
اليوم، ونحن نودّعه، لا نرثي شاعرًا فقط، بل نرثي زمنًا كانت فيه القصيدة تُعامل ككائن حي، يشارك في المعركة، ويتقدّم الصفوف، ويُصاب كما يُصاب المقاتلون. لكن عزاءنا أن الشعر لا يُدفن. القصائد لا تُكفّن. الأناشيد لا تُوارى الثرى. إنها تبقى، تتردّد في الذاكرة الجمعية، وتنهض كلما احتاج الوطن إلى صوتٍ يشبهه.
وداعًا أديب ناصر…
نم قرير العين في ترابٍ يشبه كلماتك.
فالشعراء لا يموتون، بل يغيّرون مواقعهم في السماء، ليواصلوا الحراسة من هناك.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم
- من ضفاف دجلة إلى ضفاف التيبر: حين عبرت الثقافة جسور الزمن


المزيد.....




- الحرب تُشعل الاحتجاجات والمظاهرات في جميع أنحاء الولايات الم ...
- -فجوة في الأجواء-.. هكذا تؤثر عمليات إغلاق المجال الجوي بالش ...
- سلطنة عُمان تُوقف تصاريح تشغيل الأنشطة الجوية
- للمرة الثانية.. إعلام عُماني رسمي: استهداف ميناء الدقم بطائر ...
- ماهي أهداف ترامب النهائية من الحرب مع إيران عقب تضارب التصري ...
- نتنياهو: هذه حرب حاسمة وصواريخ حزب الله تصل إلى شمال إسرائيل ...
- حرب تتدحرج إقليميًا.. إغلاق سفارات وضربات متبادلة في الخليج ...
- التلفزيون الرسمي الإيراني يؤكد استمرار بثه رغم انفجارين في م ...
- الحرب في الشرق الأوسط: الكويت.. -واحة سلام- في مرمى نيران إي ...
- رسالة مزدوجة.. هذا ما أراده ترمب بعد حديثه عن مخزون الذخائر ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .