أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟














المزيد.....

العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 00:14
المحور: قضايا ثقافية
    


في الأزمنة التي تشتبك فيها الخرائط مع العقائد، ويغدو المذهب بندقيةً، والسياسةُ مِحرابًا، تتكاثر الأسئلة كما يتكاثر الغبار فوق مدنٍ أرهقها الانتظار. ليست الحروب الكبرى مجرّد صراعٍ على أرضٍ أو نفطٍ أو حدودٍ مرسومةٍ بريشة موظفٍ استعماري، بل هي صراع على المعنى نفسه: من يملك تأويل السماء، ومن يحتكر الحديث باسم الغيب، ومن يجعل من التاريخ سلّمًا ليصعد به إلى عرشٍ يتوهّم أنه أبدي.الشرق الذي صُنع ذات اتفاقٍ بين دبلوماسيَّين خلف ستارة الحرب العالمية الأولى لم يكن مجرد خطٍّ مستقيمٍ على الورق، بل كان بذرةَ التباسٍ دائم. منذ أن انحنت الطاولة على خرائط المشرق، وصار الوطن قابلاً للقصّ واللصق، دخلت المنطقة في زمن التشكيل القسري؛ كلُّ جماعةٍ تبحث عن مرجعٍ أعلى، وكلُّ مرجعٍ يبحث عن ظلٍّ دولي يحميه، وكلُّ قوةٍ عظمى تنسج خيوطها في صمتٍ يشبه صلاةً سياسيةً طويلة.لكن السؤال الذي يتردّد اليوم ليس عن من رسم الحدود، بل عن من رسم العقول. حين تتحوّل الطائفة إلى دولةٍ عميقة، ويصير الولاء المذهبي هويةً سياسية، ويغدو الانتظار عقيدةً حاكمة، تتبدّل طبيعة الصراع. لم تعد الحرب بين جيوشٍ واضحة المعالم، بل بين سرديّات؛ بين مشروعٍ يرى في ذاته خلاصًا كونيًا، ومحيطٍ يرى فيه تهديدًا دائمًا لتوازنه الهش.رحيل رأس الهرم في طهران ــ أو غيابه عن مشهد القرار ــ لا يخلق فراغًا إداريًا فحسب، بل يفتح بابًا على فوضى الرموز. فالأنظمة العقائدية التي تُدار بإيقاعٍ مركزي صارم، حين تفقد مركزها، تتحوّل إلى دوائر متنازعة؛ كلُّ جناحٍ يرفع راية التشدد كي لا يُتَّهم بالضعف، وكلُّ صوتٍ يخشى أن يكون هو من يوقّع وثيقة التراجع. وهنا تصبح الحرب خيارًا أسهل من السلام، لأن السلام يحتاج شجاعة الاعتراف، بينما الحرب تحتاج فقط استمرار الإنكار.
في لحظةٍ كهذه، لا يُقاس ميزان القوى بعدد الصواريخ، بل بقدرة النظام على تحمّل كلفة الحقيقة. الحقيقة التي تقول إن المشروع الذي تمدّد عبر العواصم، وأدار الميليشيات كما تُدار الأوركسترا، لم يعد قادرًا على عزف اللحن ذاته. لقد تغيّر الإقليم، وتبدّلت التحالفات، وتكشّفت هشاشة الاقتصاد، وصار الداخل أكثر تعبًا من أن يحتمل مغامرةً أخرى تُسمّى نصرًا.نهاية الحرب، إن جاءت، لن تكون مشهدًا دراميًا يُرفع فيه علمٌ أبيض فوق قصرٍ رئاسي. ستكون أشبه بذوبانٍ بطيءٍ للجليد؛ تراجعٌ محسوب، إعادة تموضع، خطابٌ جديد بلغةٍ أقل صخبًا، وربما اتفاقٌ يُسوّق بوصفه انتصارًا تكتيكيًا بينما هو في العمق اعترافٌ بانتهاء مرحلة. فالدول لا تعترف بالهزيمة كما يفعل الأفراد؛ هي تعيد تعريفها.
أما العالم من دون إيران العقائدية ــ إيران التي جعلت من الوليّ محورًا للكون السياسي ــ فلن يكون جنّةً مفاجئة، ولا جحيمًا فوريًا. سيكون عالمًا أقل توترًا في بعض الزوايا، وأكثر قلقًا في زوايا أخرى. ستتغيّر خرائط النفوذ، وستبحث الجماعات التي كانت تستظلّ بظلّ طهران عن شمسٍ أخرى. بعضُها سينكمش، وبعضُها سيتحوّل، وبعضُها سيتلاشى كما يتلاشى الدخان حين تنطفئ النار.الخليج الذي تعلّم أن يعيش على حافة التهديد، سيجد نفسه أمام اختبارٍ جديد: هل يكتفي بزوال الخطر، أم يبني منظومة توازنٍ حقيقية لا تقوم على ردّ الفعل بل على الفعل؟ والعراق، الذي كان ساحةً أكثر منه لاعبًا، سيقف أمام فرصةٍ تاريخية: إما أن يستعيد تعريف دولته خارج عباءة الطوائف، أو أن يستبدل وصايةً بأخرى. وسوريا ولبنان واليمن، تلك الجغرافيا المثقلة بالأذرع، ستكتشف أن زمن الوكالة قد يطول أو يقصر، لكنه لا يدوم إلى الأبد.الفلسفة السياسية تعلّمنا أن كل مشروعٍ يقوم على قداسةٍ مطلقة يحمل في داخله بذرة نهايته؛ لأنه يرفض المراجعة، ويخشى النقد، ويؤجل الإصلاح حتى يصير مستحيلًا. وحين تتراكم الأسئلة المؤجَّلة، تنفجر دفعةً واحدة. عندها لا يكون الانفجار عسكريًا فحسب، بل وجوديًا؛ سؤالًا عن معنى الدولة، وحدود الدين، وفصل المقدّس عن إدارة البشر.
ربما لن تسقط الأنظمة كما تسقط التماثيل في نشرات الأخبار، وربما لن يُمحى النفوذ كما تُمحى الكتابة عن سبورة. لكن المؤكد أن المنطقة تقف على عتبة تحوّلٍ كبير، تحوّلٍ لن يُبقي أحدًا كما كان. من يظنّ أنه بمنأى عن النار قد يكتشف أن الرماد يصل إلى بيته متأخرًا. ومن يراهن على انهيار خصمه دون أن يُصلح بيته، قد يجد نفسه في العراء.العالم من دون “وليٍّ دموي” ــ كما تصفه خصومه ــ لن يكون عالمًا بلا صراع، لكنه قد يكون أقل ارتهانًا لفكرة الحرب الدائمة. سيعود الصراع إلى طبيعته السياسية القابلة للتفاوض، بدل أن يبقى صراعًا مؤدلجًا يرى في التسوية خيانة. وعندها فقط يمكن أن تُستعاد السياسة من قبضة العقيدة، ويُعاد الدين إلى مجاله الروحي، وتُترك الدول لتُدار بعقلٍ بارد لا بقلبٍ مشتعل.هكذا تنتهي الحروب الكبرى: لا حين ينتصر طرفٌ تمامًا، بل حين يكتشف الجميع أن الاستمرار انتحارٌ جماعي. وعند تلك اللحظة، يتقدّم العقل خطوةً على الغريزة، ويبدأ الشرق في كتابة فصلٍ جديد، لا بالحبر الذي رسمه الغرب ذات يوم، بل بوعيٍ يدرك أن القداسة حين تدخل القصر تُفسد الاثنين معًا: القصر والقداسة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب
- نوال خان… سيرةُ صوتٍ يعبر الزمن ويؤنث المعنى
- على تخوم الغياب
- مرفوض… حين ينهض المسرح ليحاكم الصمت
- لعنةُ عيدِ الحُبّ
- نعيمة التي لم تعرف ميزانية الانفجار
- امرأة بلا اسم


المزيد.....




- أول تعليق لأمريكا على مهاجمة قنصليتها في دبي بمسيرة
- ترامب يوجه بتوفير -تأمين وضمانات- للسفن العابرة للخليج.. ماذ ...
- احتجاجات في مختلف أنحاء أمريكا ضد الحرب على إيران
- قطر: إيران استهدفت قاعدة -العديد- بصاروخ باليستي
- -أنا من دفع إسرائيل إلى المعركة-.. ترامب يعلن: -تم تدمير كل ...
- الحرب على ايران وحسابات الانتخابات: هل يحول نتنياهو المواجهة ...
- رئيس الوزراء البريطاني يعلن إرسال بارجة ومروحيات مضادة للمسي ...
- تحت وقع الضربات الإيرانية.. هل تبقى دول الخليج العربية على ا ...
- بعد لندن وأثنيا.. فرنسا ترسل حاملة الطائرات -شارل ديغول- ومق ...
- هل تتخلى دول الخليج عن الحياد وتشكل -تحالفا موسعا- مع واشنطن ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟