أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في الشرق الأوسط.














المزيد.....

الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في الشرق الأوسط.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8640 - 2026 / 3 / 8 - 04:45
المحور: قضايا ثقافية
    


في الشرق الأوسط، لا تبدأ الحروب عندما تُطلق الرصاصة الأولى، بل حين تتكاثر الأكاذيب حتى تصبح بديلاً عن الحقيقة، وحين تتضخم الأوهام في رؤوس الأنظمة حتى تظن أن التاريخ يمكن أن يُدار مثل غرفة عمليات سرية.هذه المنطقة التي تعلّمت منذ قرون كيف تتنفس تحت الركام، تعيش اليوم فصلاً جديداً من ذلك الصراع القديم بين السلطة التي تحتمي بالعقيدة، والشعوب التي تبحث عن معنى للحياة خارج فوهة البنادق.
إن ما يجري في الشرق الأوسط ليس مجرد حرب تقليدية بين جيوش أو صراع نفوذ بين دول، بل هو تصادم بين فلسفتين في الحكم؛ فلسفة الدولة التي ترى الإنسان أساس الشرعية، وفلسفة السلطة التي ترى الإنسان مجرد وقود لمعاركها. وفي قلب هذا الصراع يقف النظام الإيراني، الذي بنى مشروعه منذ عقود على فكرة التمدد عبر الظلال، لا عبر الدول، وعبر الجماعات لا عبر الشعوب، وعبر الميليشيات لا عبر المؤسسات.لقد ظن هذا النظام طويلاً أن بإمكانه تحويل الجغرافيا إلى شبكة خيوط تمتد من طهران إلى بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء، وأن تلك الخيوط يمكن أن تُحرك المنطقة كدمية خشبية. لكن التاريخ، كعادته، لا يحب الدمى كثيراً؛ فهو يميل دائماً إلى إسقاطها حين يملّ من المسرحية.المشهد اليوم يكشف شيئاً مختلفاً. فالأذرع التي كانت يوماً ما تتقدم بثقة، باتت تبحث عن أماكن للاختباء. لم تعد المعسكرات وحدها ملاذها، بل الجامعات والمراكز الثقافية والمجتمعات المدنية، حيث تختلط الشعارات السياسية بخطابات الفكر،ويُعاد تدوير الأيديولوجيا في قوالب ثقافية. هكذا تتحول الكتب أحياناً إلى ستائر، وتتحول الندوات إلى ملاجئ، بينما تُترك الشعوب في الخطوط الأمامية كدروع بشرية في معارك لم تخترها.هذه ليست ظاهرة جديدة في تاريخ الأنظمة الأيديولوجية؛ فحين تبدأ الإمبراطوريات بالتآكل من الداخل،تتحول قوتها إلى خوف، وخوفها إلى خطاب أخلاقي مفرط، وخطابها الأخلاقي إلى محاولة يائسة لتبرير البقاء. وهنا تبدأ مرحلة الانكشاف.لقد قام النظام الإيراني منذ نشأته على فكرة تصدير الثورة، لكنه مع مرور الزمن لم يعد يصدر الثورة بقدر ما صار يصدر الفوضى. فحيثما وصلت أذرعه، تشكلت دول موازية داخل الدول، وسلاح خارج القانون، وخطاب طائفي يعيد تشكيل المجتمعات وفق خطوط انقسام حادة. ومع كل هذا، ظل النظام يقدّم نفسه باعتباره حامياً للمستضعفين، بينما كانت الخرائط الاجتماعية للمنطقة تتصدع تحت أقدام تلك الحماية.المفارقة أن العالم لم يبدأ اليوم فقط في إدراك طبيعة هذا المشروع، بل ربما بدأ يدرك أيضاً حدود قوته. فالنظام الذي نجح لسنوات في إدارة الحروب بالوكالة، يجد نفسه الآن أمام معادلة أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد الساحات البعيدة قادرة على امتصاص أزماته الداخلية. الاقتصاد المثقل بالعقوبات، والاحتجاجات التي تتكرر داخل إيران، والتآكل البطيء في شرعية السلطة، كلها عوامل تجعل النظام يقف على حافة مرحلة تاريخية غير واضحة الملامح.لكن سقوط الأنظمة، كما يعلمنا التاريخ، لا يحدث دائماً بضربة واحدة، بل يحدث مثل سقوط جدار قديم؛ يبدأ بتشققات صغيرة لا يلاحظها أحد، ثم تتوسع تلك الشقوق حتى يأتي يوم ينهار فيه الجدار فجأة، ويقف الجميع متسائلين: كيف حدث ذلك بهذه السرعة؟إن العالم، المتعب أصلاً من حروب الشرق الأوسط، ينظر اليوم إلى هذا المشهد بقدر من القلق وشيء من الأمل. القلق لأن انهيار أي نظام إقليمي كبير قد يفتح أبواب الفوضى لفترة قصيرة، والأمل لأن نهاية المشاريع الأيديولوجية المسلحة غالباً ما تعني بداية مرحلة جديدة يمكن فيها للدول أن تعود إلى فكرة الدولة نفسها، لا إلى فكرة الميليشيا.ولعل السؤال الأهم هنا ليس متى ينتهي نظام ما، بل ماذا سيأتي بعده. فالتاريخ مليء بأنظمة سقطت، لكن الفراغ الذي تركته كان أحياناً أكثر خطورة من وجودها. لذلك فإن خلاص المنطقة، إن حدث، لن يكون بمجرد نهاية نظام سياسي، بل بعودة مفهوم الدولة الوطنية التي تقوم على المواطنة لا على المذهب، وعلى القانون لا على السلاح الموازي.إن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طرق يشبه تلك اللحظات التي وصفها الفلاسفة بأنها “لحظة انتقال الوعي التاريخي”. ففي هذه اللحظات يدرك العالم أن ما كان يبدو ثابتاً ليس ثابتاً، وأن ما كان يبدو أبدياً ليس سوى فصل عابر في كتاب الزمن.قد يكون النظام الإيراني واحداً من تلك الفصول التي طال بقاؤها أكثر مما ينبغي، وقد يكون أيضاً في طريقه إلى أن يصبح جزءاً من ذاكرة القرن الحادي والعشرين، مثل أنظمة كثيرة اعتقدت أنها خُلقت لتبقى. لكن ما يبقى دائماً ليس الأنظمة، بل الشعوب.وحين تستعيد الشعوب صوتها، يصبح التاريخ أقل ضجيجاً بالرصاص، وأكثر امتلاءً بالحياة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس
- أنا غائب عن النفوس
- مكبُّ القلوب


المزيد.....




- هيغسيث: أمريكا ستنهي الحرب مع إيران -وفقًا لجدولنا الزمني-
- مصدران يكشفان لـCNN تكلفة ذخائر الجيش الأمريكي بأول يومين لح ...
- -ظرف طارئ-.. نجيب ساويرس يعلق على زيادة أسعار الوقود في مصر ...
- كيف يواجه المواطن العربي تداعيات الحرب بين إيران وأمريكا وإس ...
- اليوم الـ11 من الحرب في الشرق الأوسط.. قصف مستمر على إيران و ...
- هل تصاعدت الهجمات السيبرانية مع اندلاع الحرب ضد إيران؟ إسرائ ...
- -الضربات اليوم ستكون الأشد-.. هيغسيث يتوعد إيران ويهدد برد أ ...
- -حبّة اليقظة-.. السر الذي يسمح للطيارين الإسرائيليين بمواصلة ...
- اعتداء وتهديد بقتل مدير مدرسة ألمانية ـ عربية في برلين.. روا ...
- إيران: أدلة جديدة على تورط واشنطن في قتل 150 تلميذة إثر قصف ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في الشرق الأوسط.