أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.














المزيد.....

نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8643 - 2026 / 3 / 11 - 07:07
المحور: قضايا ثقافية
    


في زمنٍ صار فيه الضجيج أعلى من المعنى، وصارت فيه الشاشات تتكاثر مثل مرايا فارغة تعكس الضحك السريع وتبتلع الفكرة العميقة، يظهر أحيانًا صوتٌ هادئ كأنه قادم من زمن آخر،صوت لا يصرخ ليُسمَع بل يهمس ليوقظ الذاكرة. هكذا بدا برنامج «نوستالوجيا» الذي يقدمه الإعلامي ناطق صلاح الدين عبر شاشة قناة UTV؛ كنافذةٍ تُفتح فجأة في جدار الحاضر، فنطل منها على عراقٍ آخر… عراقٍ كان الفن فيه شجرةً لا إعلانًا، وكان الممثل فيه روحًا تمشي على الخشبة لا مجرد وجهٍ يمرّ عابرًا على الشاشة.ليس «نوستالوجيا» مجرد برنامج تلفزيوني يُعرض في شهر رمضان، بل هو أشبه بعودةٍ هادئة لزمنٍ كان الفن فيه مرآة المجتمع، وكان الممثل يحمل همَّ الإنسان العراقي بقدر ما يحمل موهبته. في هذا البرنامج لا يجلس الضيوف كنجومٍ يلمعهم الضوء،بل كذكرياتٍ حيّةٍ خرجت من صندوق الزمن لتجلس أمامنا من جديد، تتكلم ببطء، تتنفس الماضي، وتستعيد تلك اللحظات التي صنعت وجدان العراقيين يوم كانت الدراما العراقية تكتب ملامح البيوت والقلوب.من يتابع «نوستالوجيا» يشعر أنه لا يشاهد برنامجًا، بل يقرأ رواية طويلة عنوانها العراق. روايةٌ بطلها الفن، وشخصياتها أولئك العمالقة الذين عبروا تاريخ الشاشة والمسرح والإذاعة مثل قناديل صغيرة أضاءت ليالي العراقيين. وجوهٌ عرفت طريقها إلى الذاكرة أكثر مما عرفت طريقها إلى الشهرة العابرة،وجوهٌ امتزجت في ذاكرتنا بالطفولة،وبصوت التلفاز القديم، وبالبيوت التي كانت تجتمع مساءً حول مسلسلٍ عراقيٍ صادق.في كل حلقةٍ من حلقات البرنامج يبدو ناطق صلاح الدين وكأنه لا يقدم حوارًا إعلاميًا بقدر ما يقود رحلةً في الزمن. يجلس أمام ضيوفه باحترامٍ واضح، كأنه يعرف أنه لا يستضيف ممثلين فحسب، بل يستضيف صفحات من تاريخ العراق الفني. يبحث في الذاكرة مثل عالم آثارٍ ينفض الغبار عن تماثيلٍ قديمة، فيعيد لها بريقها ويضعها أمام الأجيال الجديدة كي تعرف أن الفن العراقي لم يولد اليوم، بل له جذور عميقة تمتد في الأرض مثل نخلةٍ لا تعرف الانكسار.في تلك اللحظات التي يبتسم فيها الضيف وهو يتذكر دوره الأول، أو حين تلمع عيناه بدمعةٍ صامتة وهو يستعيد زملاء رحلوا، يتحول البرنامج إلى مساحة إنسانية نادرة. هناك، بين السؤال والجواب، يولد شيءٌ يشبه الحنين. حنينٌ ليس للماضي فقط،بل للقيم التي كان يحملها ذلك الماضي: الإخلاص للفن، احترام النص،والصدق مع الجمهور.
قد يميل ناطق صلاح الدين في تقديمه إلى شيءٍ من الرسمية، وكأنه يقف أمام تاريخٍ كبير يخشى أن يلمسه بغير وقار، وربما كان المشاهد يتمنى لو يترك صوته أحيانًا يسترخي قليلًا في حضرة هذه الذكريات الدافئة، لكن تلك الرسمية نفسها تبدو أحيانًا جزءًا من احترامه العميق للفن ولأصحابه. فهو لا يتعامل مع ضيوفه بوصفهم مادةً إعلامية، بل بوصفهم ذاكرة وطنٍ كاملة.والحقيقة أن «نوستالوجيا» لا يعيد فقط وجوه الفنانين إلى الشاشة، بل يعيد سؤالًا مهمًا إلى الوعي العراقي: أين ذهب ذلك الجمال؟ أين تلك الدراما التي كانت تحكي عن الإنسان البسيط، وعن الحارة العراقية، وعن الفرح والحزن بصدقٍ لا يشبه هذا الصخب الذي يُسوَّق اليوم باسم الفن؟حين نشاهد البرنامج نشعر كأن الزمن يجلس معنا على مائدة الإفطار الرمضانية. نجلس أمام الشاشة فنرى وجوهًا كنا نظنها ذابت في الغياب، فإذا بها تعود لتحدثنا عن أيامٍ كان فيها الفن رسالةً لا سلعة، وكان الممثل يقف أمام الكاميرا كمن يقف أمام مرآة ضميره.وهنا تكمن قيمة ما فعله ناطق صلاح الدين؛ فقد أدرك أن الذاكرة ليست ترفًا، بل ضرورة. وأن الأمم التي تنسى فنها القديم تشبه إنسانًا فقد طفولته، يمشي في الحياة دون جذور.لهذا بدا البرنامج كأنه فعل وفاءٍ جميل، محاولة لإعادة الاعتبار لنجومٍ كادوا أن يصبحوا منسيين في زحمة الضجيج الجديد. نجومٌ لم يغادروا الذاكرة يومًا، لكنهم غابوا عن الضوء طويلًا حتى جاء هذا البرنامج ليقول ببساطة: ما زال في العراق فنٌ يستحق أن يُروى، وما زال في الذاكرة مكانٌ يتسع لكل أولئك الذين صنعوا الجمال.شكراً ناطق صلاح الدين… لأنك نطقت بالإبداع حين صمت كثيرون.
شكراً لأنك أعدت لنا تلك اللحظة التي كدنا نظنها ضاعت في زحام الأيام.شكراً لأنك جعلت من مائدتنا الرمضانية نافذةً تطل على طفولتنا، وعلى زمنٍ كان فيه الفن العراقي يشبه العراق نفسه… كبيرًا، عميقًا، ومليئًا بالحياة.ففي كل حلقةٍ من «نوستالوجيا» لا نشاهد برنامجًا فحسب، بل نسمع صوت الماضي وهو يهمس لنا:ما زال الجمال هنا… وما زال العراق قادرًا أن يتذكر.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح


المزيد.....




- برلين تنتقد التوسع الاستيطاني في الضفة وتدعو لعدم تجاهل الكا ...
- إيلون ماسك يتصدر قائمة فوربز لأغنى أثرياء العالم بثروة تبلغ ...
- مَن يقود مَن؟ كيف يدير ترمب حربه على إيران؟
- المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي يحتمي داخل ملجأ إثر هجوم إيران ...
- شركة أقمار صناعية أمريكية تؤخر بث الصور من الشرق الأوسط
- الجيش الأمريكي يعلن تدمير 16 ناقلة ألغام إيرانية قرب هرمز وت ...
- بعد إحاطة سرية بالكونغرس.. مشرعون ديمقراطيون يحذّرون من تدخل ...
- لتعزيز دفاعات بريطانيا.. المدمرة -دراغون- تبحر إلى المتوسط
- فيديو: إسرائيل تشنّ غارات جديدة على الضاحية الجنوبية لبيروت ...
- الكويت والأردن: من حق الدول المستهدفة من إيران حماية سيادتها ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.