أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة














المزيد.....

الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8641 - 2026 / 3 / 9 - 11:26
المحور: قضايا ثقافية
    


منذ اللحظة الأولى التي وقف فيها الإنسان على قدميه، ملتفتًا إلى السماء،حاملاً بين كفه وعينه قدره الخاص، ظنّ أن الحضارة هي شعاع الضوء الذي يفصل بينه وبين ظلال الغابة. ظن أن القوانين والأخلاق التي وضعها لنفسه ستصبح جلدًا جديدًا يغطي الوحش القديم، وأن الكلمات البراقة التي خطّها على جدران المعابد ستسقط الغرائز البدائية في صمت.ولكن الحقيقة كانت أكثر تعقيدًا، أكثر قسوة، وأكثر عمقًا مما أحب أن يصدق.الحضارة لم تكن سوى قفازات ناعمة تحاول ترويض أنياب الماضي، والأخلاق لم تُصنع دومًا من الفضيلة وحدها، بل من الخوف أيضًا، من وعي غامض بأن الطبيعة الأولى للإنسان لا تحتمل الاختلاط بلا قيود.عندما نفتح صفحات التاريخ بعين غير متحيزة، نرى تناقضات مدهشة. الإنسان نفسه الذي رسم لوحات الحب وصاغ أشعار الرحمة، هو ذاته الذي ابتكر أدوات القتل وأقام السجون والمجازر. الكائن الذي يبني المعابد ويضع القوانين، يظل جزءه البدائي يرقص في الظلال، جزءه الذي يعرف متى يبتسم ومتى يعض.وهنا تكمن الفجوة الكبرى: الحضارة قد ترتدي قفازات أكثر أناقة،لكنها لا تمحو الحقيقة الأساسية،أن الوحشية تظل موجودة،تنتظر فرصة لتبرز، تنتظر ظرفًا يسمح لها بالعودة إلى السطح.في حضارتنا الحديثة، حيث تُرفع أعلام الأخلاق وتُبنى المجتمعات على قوانين صارمة، لا يزال هذا الصراع قائمًا. فالإنسان الذي يبتسم في الاجتماعات الرسمية، قد يحمل داخله غضبًا دفينًا،وطمعًا صامتًا، ورغبة في السيطرة لم يتعلم كيف يروضها سوى بالقوانين والطقوس الاجتماعية. إن الحضارة تعلمنا الكبت، لكنها لا تمنع الانفجار، بل تؤخره وتغلفه في صور جميلة. هنا يظهر البعد الفلسفي للموضوع: هل الإنسان متحضر حقًا، أم أنه يعيش في صراع دائم مع نفسه،يحاول تزييفها بالقيم والمبادئ؟.. الوعي بهذا الصراع يكشف لنا شيئًا غامضًا عن الطبيعة الإنسانية.فالحضارة ليست مجرد قفازات تخفي الوحشية،بل هي صراع متواصل، محاولة شجاعة لبناء الإنسان فوق نفسه. كل مدينة، كل متحف، كل جامعة، كل قانون، هو بمثابة حجر في هذا البناء، حجر يرفع الإنسان خطوة عن الغابة، خطوة عن الطبيعة الأولى التي لم تُمحَ بعد، خطوة عن الوحشية التي تختبئ في أعماقه. وكلما فهم الإنسان نفسه، وكلما واجه غرائزه، أصبح القفاز أكثر من مجرد حيلة، أصبح وسيلة لفهم ذاته، وسقفًا يحمي المجتمع من انفجار الغريزة.
تتجلى المأساة الكبرى في أن الإنسان نفسه غالبًا لا يعرف حدوده. فهو يرفع راية العدالة والحب، لكنه يخطط للحرب والخيانة بصمت. هو يبني الحضارة ويكتب الشعر، لكنه يستطيع أن يغتال إذا شعر بالتهديد. هذا التناقض ليس مجرد صدفة، بل جوهر الإنسان نفسه: كائن متعدد الطبقات،يعيش في صراع دائم بين غرائزه التي تعلمت الصمت، وبين وعيه الذي يسعى إلى المعنى والنظام. والفن،والأدب، والفلسفة، ليست إلا محاولات متكررة لفهم هذا الصراع،لرفع القناع تدريجيًا، للكشف عن النفس التي لم تُعرف بالكامل.ولعل أكثر ما يدهشنا في هذا الصراع أن الإنسان قد أصبح ماهرًا في خلق صورته المثالية. يكتب عن العدالة كما لو كانت قدرًا فطريًا في قلبه، يتحدث عن الحب كأنه نبع دائم،ويغني للخير كأنه جوهره الوحيد. لكن خلف هذا القناع، يختبئ وعي آخر،وميول أخرى، غرائز بدائية تعلمت الصمت لكنها لم تختفِ. فكل حضارة،مهما كانت مزدهرة، تحمل في طياتها ظل الإنسان القديم، توازن هشّ بين الرغبة والضمير، بين الغريزة والاعتدال، بين الخوف والحاجة إلى المعنى.قد تسأل: هل هذه الوحشية القديمة هي السبب في كل حروب الإنسان، في كل استبداد، في كل قتل وتدمير؟ الجواب ليس ببساطة نعم أو لا. فالإنسان يبني أيضًا من خلال هذه الوحشية أدوات للبقاء، ويخلق منها وسيلة للمعرفة، وللإبداع، وللتقدم.فالخوف والغرائز القديمة،عندما تُقهر بالوعي، تصبح الوقود الذي يحرك الحضارة، الذي يجعل الإنسان يبني المدن، ويكتب الشعر، ويصنع المعارف،ويبتكر القيم. وهنا يكمن المفارقة الكبرى: نحن نحمل وحشية بداياتنا، لكننا نخلق منها ما هو أعظم من مجرد غريزة.وعلى الرغم من كل هذا، يبقى السؤال الوجودي مفتوحًا:هل القفازات التي ترتديها الحضارة مجرد خدعة، أم أنها بداية لشيء أكبر؟ هل نحن حقًا أكثر تحضرًا من أسلافنا، أم أننا ببساطة تعلمنا كيف نخفي أنيابنا بشكل أكثر أناقة؟ وهل يمكن أن يصبح الإنسان يومًا ما قادرًا على تحويل القناع إلى وجه حقيقي، وجه لا يخفي الوحشية، بل يعترف بها ويتجاوزها؟الإنسان تحت القناع هو الإنسان الذي يحاول كل يوم، بكل جهد، أن يجد معنى لحياته بين الغريزة والوعي. هو الإنسان الذي يعرف أن الحضارة ليست طقسًا فحسب، بل تجربة وجودية مستمرة، تعلمه أن يواجه نفسه، أن يختار بين الرغبة والضمير، بين الظل والنور، بين الماضي والحاضر. وهنا يكمن جمال الصراع: أن الإنسان، رغم كل وحشيته، رغم كل خوفه، يواصل المحاولة، يبني الحضارة، يكتب الشعر،يعيد اختراع الأخلاق كل يوم،ويحاول أن يجعل من قفازات الحضارة وجوهًا حقيقية تستحق الاحترام.وفي هذا النص طويل الأمد، يمكن للقارئ أن يرى صورة الإنسان بأكملها: كائن يعيش بين الماضي والمستقبل، بين الوحشيةوالوعي، بين الظلام والنور، ويحمل في نفسه كل التناقضات، كل الصراعات، وكل الإمكانيات. الإنسان تحت القناع هو شهادة على معركة مستمرة، معركة الوعي مع الغريزة،معركة الحضارة مع الطبيعة الأولية،معركة الحياة نفسها مع الإنسان.وهكذا،يبقى السؤال الأخير يلوح في الأفق،كنافذة تطل على اللامرئي: هل سنستطيع يومًا أن نخلع القفازات دون أن نعود للغابة؟ هل سنستطيع أن نصنع وجهنا الحقيقي من الحضارة نفسها؟ أم أن القناع سيظل معنا، رمزًا لتاريخ طويل من الانتصارات والانكسارات،ودرعًا يحمي الإنسان من نفسه، لكنه أيضًا يحجبه عن إدراك ذاته بالكامل؟ بين أنياب الغريزة وقفازات الحضارة، يقف الإنسان، كل يوم،محاصرًا، متأملاً، مجبرًا على الاختيار، حائرًا بين ما هو قديم وما هو ممكن أن يصبح مستقبله.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة
- جمهورية العمامة وسؤال المرآة المكسورة
- جمهوريةُ الضجيج المقدّس


المزيد.....




- فيديو مزعوم عن -إطلاق حزب الله صواريخ قرب ثكنة للجيش اللبنان ...
- أمريكا تحذر روسيا من التدخل في الحرب مع إيران
- تفكيك الأساطير حول الدين السيادي في مصر
- حاخام إسرائيلي: هجمات المستوطنين في الضفة الغربية -غير أخلاق ...
- كابوس الانسحاب المفاجئ يطارد تل أبيب: هل يكرر ترامب سيناريو ...
- طوابير طويلة في مطارات أميركا بعد تعطّل وزارة الأمن الداخلي ...
- بضغط من ترامب.. أستراليا تمنح اللجوء للاعبات إيرانيات بعد رف ...
- تأهب بسماء تل أبيب.. صواريخ إيرانية تربك هبوط طائرات عسكرية ...
- 4 تطبيقات ذكية لترميم صورك القديمة
- الملهيات في رمضان.. مواجهة شياطين الإنس والجن؟


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة