أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.















المزيد.....

عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8642 - 2026 / 3 / 10 - 08:48
المحور: قضايا ثقافية
    


في الحروب الكبرى لا يكون الرصاص هو أكثر ما يقتل، بل الأوهام.فالرصاصة قد تصيب جسداً واحداً، أما الوهم فيصيب شعباً كاملاً ويتركه يتغذى على السراب سنوات طويلة، حتى يكتشف ذات صباح أن الجدران التي كان يصفق لها ليست إلا طلاءً يخفي تصدعات عميقة في جسد الدولة. ومنذ عقود طويلة، تعيش إيران داخل هذا المسرح الكبير الذي تختلط فيه الشعارات بالأساطير، وتُرفع فيه رايات المجد الإمبراطوري بينما المدن في الأسفل تحصي خسائرها بصمت ثقيل يشبه بكاء الجبال حين يتعب المطر.ليس أسوأ ما يمكن أن يخشاه القادة في زمن الحروب هو الهزيمة العسكرية، فالهزيمة العسكرية يمكن تبريرها بخطاب طويل عن المؤامرات والاصطفافات الدولية وتكالب القوى الكبرى، لكن الكارثة الحقيقية تبدأ حين تتوقف الحرب فجأة. عندها يعود الناس إلى بيوتهم،ويعود الجنود إلى الشوارع، وتعود الحقيقة إلى الظهور مثل شمس لا يمكن إخفاؤها خلف دخان المدافع.وعندما يعود الهاربون من المدن إلى مدنهم، لا يجدون الخطب التي قيلت على المنابر، بل يجدون جدراناً مثقوبة، وطرقات مكسورة، ومحطات وقود فارغة، وشبكات كهرباء تشبه العروق المقطوعة في جسد وطن منهك.هناك تبدأ الأسئلة الحقيقية، وتبدأ المرحلة التي تخافها الأنظمة أكثر من الصواريخ: مرحلة الوعي.فالمدن التي تنجو من القصف قد لا تنجو من المقارنة. وحين يقارن الناس بين ما قيل لهم وما عاشوه فعلاً، تبدأ الشرارة الأولى للتمرد الصامت. ليس تمرداً يولد في الشوارع فوراً، بل تمرداً ينمو في العقول مثل فكرة صغيرة تتحول ببطء إلى يقين. وهنا يصبح السؤال أخطر من الرصاصة: لماذا عشنا كل هذه السنوات نطارد وعداً بعيداً اسمه القنبلة، بينما كانت أرغفة الخبز تختفي من موائدنا؟لماذا أُقنعنا أن الكرامة تسكن في المفاعلات النووية بينما كانت حياتنا اليومية تتآكل مثل جدار قديم تحت مطر الزمن؟..في هذا المشهد الغريب يظهر نوع آخر من الكائنات السياسية،أولئك الذين يلبسون ثياب الولاء لبلاد ليست بلادهم، ويصعدون إلى المنابر ليحدثوك عن بطولة الإيراني الذي يقاتل من أجل وطنه، ثم إذا دعوتهم هم إلى الدفاع عن أوطانهم قالوا لك ببرود الفلاسفة الزائفين: وهل تريدنا أن نصبح وطنيين ندافع عن حدود رسمها سايكس وبيكو؟ وكأن الوطنية فجأة تصبح جريمة حين تتعلق ببلدك، لكنها تتحول إلى فضيلة مقدسة حين تتعلق بدولة أخرى بعيدة.وهكذا تتحول المفارقة إلى مسرح ساخر. فالرجل الذي يحتقر فكرة الوطن في بغداد أو دمشق أو بيروت، يصبح فجأة شاعراً ملحمياً حين يتحدث عن طهران. والحدود التي يصفها بأنها مؤامرة استعمارية حين تحيط ببلده، تتحول إلى خطوط مقدسة حين تحيط بدولة الولي الفقيه. إنها الفلسفة المقلوبة التي تجعل الإنسان يكره بيته لأنه صغير، ويعشق بيت الجيران لأنه أكبر قليلاً،حتى لو كان ذلك البيت مبنياً فوق دماء نصف المنطقة.غير أن التاريخ لا يقرأ الخطابات، بل يقرأ النتائج.والنتائج تقول إن المنطقة خلال العقود الأخيرة تحولت إلى خريطة من الخراب المتناثر، وأن يد السياسة الإيرانية امتدت في أكثر من مكان حتى صارت آثارها واضحة مثل بصمة على زجاج مكسور. سوريا التي تحولت إلى مقبرة مفتوحة، واليمن الذي صار جرحاً جغرافياً طويلاً، ولبنان الذي يعيش داخل متاهة الدولة المعطلة، والعراق الذي أُنهك بين صراعات الولاءات المتعددة. وكل ذلك كان يقدَّم دائماً تحت عنوان واحد: المقاومة.لكن المقاومة نفسها تحولت مع الزمن إلى كلمة فضفاضة مثل عباءة كبيرة تخفي تحتها كل شيء، حتى التناقضات الأخلاقية الفادحة. فليس كل من رفع شعار المقاومة بريئاً من دماء الآخرين،وليس كل من ادعى مواجهة الغرب منزهاً عن استخدام شعوب المنطقة كأوراق تفاوض على طاولات السياسة الدولية. ولعل أكثر المفارقات قسوة أن بعض الأنظمة اكتشفت أن أفضل طريقة للتفاوض مع الغرب هي أن تمسك بملف الصراع نفسه، فتلوّح به كمن يلوح بعود ثقاب قرب خزان وقود.
وفي خضم هذه اللعبة المعقدة، تتحرك القوى الكبرى ببرودة لاعبي الشطرنج.التصريحات تتطاير، والتهديدات تتكرر، والأرقام تتدحرج في نشرات الأخبار: صواريخ دُمرت، منصات أُسقطت، قدرات نووية أُضعفت، حرب قصيرة المدى، انتصار وشيك. لكن ما لا تقوله البيانات العسكرية هو أن الحروب حين تقترب من نهايتها تترك خلفها سؤالاً واحداً فقط: ماذا بعد؟..فإذا انتهت الحرب سريعاً كما يتوقع بعضهم، فلن يكون التحدي في ساحات القتال بل في الشوارع. الشوارع التي تعبت من انتظار المستقبل. الشوارع التي اكتشفت أن التكنولوجيا التي كانت تراقب أنفاسها عبر الإنترنت، وتفحص كلماتها عبر الخوارزميات، يمكن أن تتحول هي نفسها إلى شاهد على زمن كامل من الرقابة والخوف. فالعالم الجديد لا يعيش في المفاعلات النووية فقط، بل يعيش أيضاً في الخوادم الرقمية التي تراقب البشر وتحلل حركاتهم وتعيد تشكيل وعيهم.وعندما تُضرب هذه البنى التكنولوجية، لا يُقصف مبنى فقط، بل تُقصف فكرة السيطرة نفسها. لأن السلطة التي بنت جزءاً من قوتها على مراقبة الناس تجد نفسها فجأة أمام فراغ رقمي هائل، كمن أطفأ الأنوار في غرفة مليئة بالمرايا. وعندها تبدأ الأسئلة التي لا يمكن حجبها بفلترة الإنترنت ولا بإغلاق الشبكات.وهنا تكمن المفارقة الأكثر مرارة: أن النظام الذي أمضى سنوات طويلة وهو يحدّث شعبه عن الصمود التاريخي قد يجد نفسه في مواجهة سؤال بسيط يطرحه شاب عادي في مقهى صغير: هل كان كل هذا الطريق ضرورياً؟ وهل كانت كل هذه التضحيات طريقاً إلى المجد فعلاً، أم مجرد طريق طويل إلى العزلة؟..فالتاريخ يعلمنا أن الدول لا تنهار حين تُقصف فقط، بل تنهار حين يتآكل الإيمان بها من الداخل. وحين تصل الشعوب إلى لحظة تكتشف فيها أن الأساطير التي قيلت لها لم تعد تقنعها، تبدأ مرحلة جديدة لا يمكن لأي خطاب تعبوي أن يوقفها. إنها المرحلة التي تتحول فيها الشعارات إلى صدى بعيد، بينما يبحث الناس عن شيء أكثر بساطة: حياة طبيعية بلا حرب دائمة،بلا شعارات ملتهبة، بلا انتظار أبدي لقنبلة يفترض أنها ستجلب الكرامة.ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذه اللحظة التاريخية هو أولئك الذين ما زالوا يصرخون في العواصم العربية دفاعاً عن نظام لا يعيشون تحت سمائه، بينما يهاجمون فكرة الوطن في بلدانهم كأنها عار يجب التخلص منه. إنهم يشبهون رجالاً يقفون على شاطئ بعيد ليصفقوا لعاصفة تضرب بيوت الآخرين، ثم يتهمون أهل تلك البيوت بأنهم لا يفهمون معنى البطولة.غير أن العواصف، مهما كانت صاخبة، لا تستطيع أن تمنع الصباح من الوصول. وحين يهدأ الضجيج أخيراً، سيكتشف الجميع أن الحقيقة كانت تقف بصمت في زاوية المشهد، تنتظر اللحظة التي ينتهي فيها الصراخ. وعندها فقط سيعرف الناس أن الأوطان لا تُبنى بالخطابات الطويلة، ولا تُحمى بالولاءات المستعارة، بل تُبنى بشيء بسيط جداً: أن يحب الإنسان أرضه كما هي، لا كما يريد الآخرون أن يراها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن
- حين يُحاكُ الغبارُ على ستارة المسرح
- أنكيكا أنشي: رحلة الشعر والجمال الكرواتي
- تراتيلُ النورِ في محرابِ الصيام
- على حافةِ النار: تأمّلاتٌ في وهمِ الحربِ وحقيقةِ القوة


المزيد.....




- طاقم CNN في طهران يشهد عدة موجات من الغارات الجوية العنيفة
- -مجتبى خامنئي يعيد النظام الملكي إلى إيران- - مقال في وول ست ...
- بعيد ميلاده التسعين.. بلاتر في رد على تهم الفساد: لست نادما ...
- دعم استخباراتي ـ أسرار البيانات التي زودت بها روسيا إيران
- أستراليا تمنح اللجوء لخمس لاعبات كرة قدم إيرانيات
- مراسل فرانس24 في طهران: هناك تراجع كبير في وتيرة الهجمات الإ ...
- نتنياهو يحذر من أن الحرب على إيران -لم تنته بعد- وطهران تقول ...
- العراق: قتلى في ضربات طالت مقرات للحشد الشعبي واستهداف القنص ...
- هل هناك موقف أوروبي موحد عن الحرب ضد إيران؟
- أطفال في قلب الحروب.. آثار نفسية تمتد إلى الجسد


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.