أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشارة وطنية.















المزيد.....

جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشارة وطنية.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:12
المحور: قضايا ثقافية
    


في المجتمعات التي تعبت من الحقيقة، تصبح النكتة أصدق من الخطاب السياسي، وأعمق من بيانات الحكومات،لأن الضحك في جوهره ليس مجرد انفجار مرح، بل غالبًا ما يكون صرخة ساخرة في وجه العبث. ولهذا لم تكن النكتة الشعبية يومًا ترفًا لغويًا أو تسلية عابرة، بل كانت دائمًا وسيلة ذكية لاختزال واقع كامل في حكاية صغيرة. ومن تلك النوادر الطريفة التي تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها تفتح باب التأمل في باطنها، حكاية العروس التي كانت في ليلة عرسها مع عريسها، وفجأة، ومن دون قصد، أطلقت ريحًا صغيرة أربكت المشهد وأربكت معها العريس المسكين الذي كاد أن يختنق خجلًا، فالرجل وجد نفسه أمام موقف لا يمكن الهروب منه ولا يمكن التعليق عليه دون أن تتحول الليلة الأولى إلى فضيحة تاريخية تُروى في مجالس العائلة لعقود قادمة. ولأن الإنسان عندما يضيق عليه الموقف يلجأ إلى الفلسفة، ولو كانت فلسفة من اختراع اللحظة، فقد تفتقت عبقرية العريس فجأة فقال للعروس بنبرة الواثق العارف بأسرار الكون: إن أبي أخبرني أن المرأة إذا حدث منها هذا الأمر ليلة عرسها فإنها ستنجب ولدًا. هنا انقلب المشهد رأسًا على عقب، فبدل أن تتحول اللحظة إلى إحراج، تحولت إلى بشارة، وبدل أن تكون حادثة صغيرة أصبحت نبوءة بالمستقبل. لكن المفارقة المدهشة أن العروس، وقد صدقت الرواية البيولوجية الجديدة، تحمست للفكرة وقالت ببراءة من يكتشف قانونًا كونيًا: إذن أزيد؟ فيرتجف العريس من هول الحماسة ويصرخ مذعورًا: لا لا… دعينا نربي الأول على مهل. ولو تركنا هذه الحكاية في إطارها الشعبي لبقيت مجرد نكتة لطيفة، لكن المشكلة أن السياسة، خصوصًا في العراق، تملك قدرة مذهلة على تحويل النكتة إلى واقع، بل أحيانًا إلى منهج حكم كامل. فالعراق منذ سنوات طويلة يعيش داخل تلك الليلة نفسها، ليلة عرس سياسية طويلة جدًا،عرس صاخب مليء بالخطب والبيانات والمؤتمرات والشعارات والرايات، لكن خلف الضجيج ثمة شيء آخر يحدث، شيء يشبه تمامًا تلك اللحظة التي حاول فيها العريس أن يخفي الإحراج بابتسامة فلسفية. السياسي العراقي، في كثير من الأحيان، يتصرف مثل ذلك العريس الذي قرر أن يعالج الكارثة بنظرية. فعندما يحدث الخطأ الكبير لا يقال إنه خطأ، وعندما تقع الفضيحة لا تسمى فضيحة، وعندما ينهار مشروع بمليارات الدولارات لا يقال إنه فشل، بل يعاد تفسير كل شيء فورًا بوصفه خطوة في الطريق الصحيح. تنقطع الكهرباء فيقال إنها خطة لإعادة هيكلة الطاقة، تختفي الأموال فيقال إنها مرحلة انتقالية للإصلاح الاقتصادي، تتعطل الخدمات فيقال إنها ضريبة الديمقراطية، ينتشر الفساد فيقال إنه إرث ثقيل من الماضي، وكلما كبرت المصيبة كبرت معها اللغة التي تحاول تحويلها إلى إنجاز مؤجل. وهنا تبدأ فلسفة “الضرط السياسي” إن جاز التعبير، حيث يصبح الخطأ بشارة،وتصبح الكارثة وعدًا بالمستقبل، ويصبح الفشل بداية النجاح العظيم الذي سيأتي لاحقًا، لاحقًا جدًا، لاحقًا إلى درجة أن الأجيال تتغير والوعود لا تزال في الطريق. والمفارقة أن العروس في النكتة أرادت أن تزيد، وهذه النقطة تحديدًا هي التي تجعل النكتة عراقية بامتياز، لأن ما حدث في العراق خلال العقود الأخيرة يشبه تمامًا تلك الحماسة غير المحسوبة. كلما قيل إن هذه الأزمة ستجلب الخير جاءت أزمة أكبر منها،وكلما قيل إن هذه التجربة ستنضج الدولة ظهرت تجربة أخرى أكثر غرابة، حتى بدا المشهد وكأن البلاد دخلت سباقًا مفتوحًا مع الأخطاء. العروس السياسية لم تكتفِ بواحدة، بل قررت أن تزيد، مرة بعد مرة، بينما الشعب العراقي يقف في زاوية المشهد مثل ذلك العريس المسكين الذي يحاول أن يبتسم وهو يقول برجاء مرتبك: رويدكم… دعونا نربي الأول. لكن أحدًا لا يسمع. فالنظام السياسي في العراق اكتشف منذ زمن أن أخطر ما يمكن أن يفعله الحاكم هو الاعتراف بالخطأ، ولذلك اختُرعت طريقة أكثر ذكاءً، وهي تحويل الخطأ نفسه إلى نظرية. فإذا فشلت السياسة قيل إنها استراتيجية طويلة المدى، وإذا تعثرت الدولة قيل إنها مخاض التاريخ، وإذا تفككت المؤسسات قيل إنها إعادة بناء، وإذا ضاعت البلاد بين الميليشيات والمصالح الإقليمية قيل إنها توازنات دقيقة. وهكذا يصبح الواقع مثل تلك الليلة العجيبة التي يحاول فيها الجميع التظاهر بأن شيئًا طبيعيًا يحدث بينما الحقيقة تتجول في الغرفة كفيل ضخم لا يريد أحد أن يراه. لقد قال الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه إن الإنسان قد يخترع الأكاذيب لأنه لا يحتمل الحقيقة، لكن العراق يبدو أنه تجاوز هذه المرحلة بكثير، فنحن لم نعد نخترع الأكاذيب فقط، بل صرنا نخترع التفسيرات الفلسفية للأخطاء كي لا نعترف بها. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب دولة، لأن الدول قد تتعثر بسبب الحروب أو الاقتصاد أو الجغرافيا، لكنها تنهار غالبًا عندما تتحول الأخطاء إلى ثقافة، وعندما يصبح التبرير بديلاً عن الإصلاح. وهنا تحديدًا تتحول النكتة إلى مرآة ساخرة لواقع كامل. فالعراق منذ أكثر من عشرين عامًا يسمع الجملة نفسها بصيغ مختلفة: اصبروا قليلًا، الخير قادم، الدولة ستنهض، المشاريع ستكتمل، الفساد سيختفي، المستقبل أجمل. إنها الجملة ذاتها التي قالها العريس في تلك اللحظة الحرجة، جملة صغيرة اخترعت معنى جديدًا للحادثة. لكن الفرق أن العريس في النهاية أدرك الخطر وقال للعروس: لا لا… دعينا نربي الأول على مهل. أما في السياسة العراقية فلا أحد يريد التوقف، ولا أحد يريد أن يربي شيئًا، بل يبدو أن الجميع قرر أن يزيد، يزيد في التجارب، يزيد في الشعارات، يزيد في الوعود، يزيد في الأخطاء، بينما الشعب يقف مذهولًا يتساءل: كم مرة أخرى سيقنعوننا بأن ما يحدث ليس إحراجًا بل بشارة؟ وهنا تكمن المأساة الساخرة. فالشعوب قد تبكي من الألم، لكنها أحيانًا تضحك أيضًا، لأن الضحك يصبح الطريقة الوحيدة لتحمل العبث. والنكتة التي تبدأ بضحكة صغيرة قد تنتهي بسؤال كبير: هل نحن نعيش فعلًا في دولة… أم ما زلنا عالقين منذ سنوات طويلة في ليلة عرس سياسية لا يريد أحد فيها أن يعترف بما حدث، وكل ما يقال لنا هو أن المولود سيأتي قريبًا… قريبًا جدًا… فقط انتظروا قليلًا، وربما، إن تحمست العروس أكثر، قد تقرر أن تزيد مرة أخرى.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .


المزيد.....




- العراق.. الدفاع الجوي يتصدى لمقذوف مما يتسبب في انفجار قرب ا ...
- الخسائر البشرية المعلنة لواشنطن وتل أبيب مع دخول الحرب أسبوع ...
- -القيادة الوسطى- تنفي تدمير إيران لأي مقاتلة أميركية
- ترامب: إسرائيل لن تستخدم أبدا سلاحا نوويا ضد إيران
- الاتحاد الأوروبي يطرح نموذج مبادرة البحر الأسود لفتح هرمز
- ترامب يندد بـ-قلة الحماس- لدى بعض الدول لمساعدته في إعادة فت ...
- الكويت تعلن تفكيك خلية مرتبطة بحزب الله خططت -لزعزعة الاستقر ...
- هجمات على دول خليجية بعد تهديد إيراني باستهداف الشركات الأمر ...
- -ترامب رفض طلبًا إيرانيًا لإعادة فتح قناة دبلوماسية-.. مصدرا ...
- طالبان تتهم باكستان بقتل 200 شخص في قصف مستشفى لعلاج مدمني م ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشارة وطنية.