أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.














المزيد.....

العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 10:19
المحور: قضايا ثقافية
    


في كلِّ زمنٍ مضطرب، تظهر أصواتٌ تتوهّم أن التاريخ يمكن إعادة كتابته بالصراخ، وأن الهويّة يمكن اقتسامها كما تُقتسم الغنائم في لحظات الفوضى.وفي هذه اللحظة العربية المتوترة، عاد الجدل القديم بثيابٍ جديدة، جدلٌ يتعلّق بالهوية والنَّسب والدين، وكأن الأمة التي صنعت الحضارة يوماً لم تعد تجد ما تتجادل حوله سوى الدم والقبيلة والرايات المذهبية.إنّ ما شهدته الساحة الإعلامية العربية في الأيام الأخيرة من ضجيجٍ وجدالٍ حول تصريحات بعض الخطباء أو المنشدين الدينيين ليس حدثاً معزولاً، بل هو انعكاسٌ لجرحٍ أعمق في الوعي العربي؛ جرحٍ صنعته سنوات طويلة من الاستقطاب الطائفي الذي حوّل الدين من رسالةٍ روحية جامعة إلى مادةٍ للصراع السياسي.فحين يُستدعى التاريخ في ساحة الغضب، يصبح الماضي سلاحاً، وتتحوّل الرموز إلى وقودٍ للنار بدل أن تكون جسوراً للمعنى.إنّ الحديث عن نسب النبي محمد صل الله عليه وسلم ، أو عن هويته العربية الحجازية، ليس قضيةً قابلة للمزايدة أصلاً؛ فالتاريخ الإسلامي والإنساني بأسره يقرّ بأن النبي خرج من بيئةٍ عربية خالصة في مكة المكرمة، من بني هاشم من قريش، وأن رسالته انطلقت من تلك الأرض الصحراوية لتخاطب العالم كله. غير أنّ جوهر الرسالة لم يكن يوماً إثبات العِرق، بل تجاوز العصبية. لقد جاء الإسلام في الأصل ليكسر تلك الدوائر الضيقة، ليقول إن الإنسان يُقاس بعمله لا بأصله،وبقلبه لا بسلالته.
لكنّ المفارقة المؤلمة أنّ كثيراً من الصراعات المعاصرة أعادت إنتاج العصبية نفسها التي جاء الدين ليطفئها.فصار بعضهم يتباهى بالأصل، وآخرون يتشبثون بنَسَبٍ أو تأويلٍ أو روايةٍ تاريخية ليصنعوا لأنفسهم شرعيةً سياسية أو رمزية. وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: حين يتحوّل الدين إلى منصة صراع سياسي، وحين يُستدعى التاريخ لا للفهم بل للانتقام.إنّ المشهد الذي يراقبه العالم العربي اليوم ليس مجرد جدلٍ حول شخصٍ أو خطابٍ أو ردّة فعلٍ غاضبة على منبرٍ ديني، بل هو صورةٌ مكبّرة لأزمةٍ أعمق: أزمة الهوية العربية حين تتصارع داخلها مشاريع النفوذ والذاكرة الجريحة والتاريخ المؤدلج. فكلُّ طرفٍ يحاول أن يثبت أن الحقيقة تقف معه وحده، وأن الآخرين مجرد طارئين على الرواية الكبرى.غير أنّ الحقيقة التي يغفلها كثيرون أن التاريخ لا يُختصر في الشتائم، وأن الحضارات لا تُبنى بالصراخ. فالعراق، مثلاً، ذلك البلد الذي مرّ فوقه الأنبياء والعلماء والشعراء، لم يكن يوماً مجرد ساحة صراع مذهبي كما يريد البعض تصويره. كان دائماً أرضاً تتجاور فيها المدارس الفكرية والفقهية والثقافية، وفيه كُتبت أعظم صفحات الفقه واللغة والفلسفة، وفيه عاش علماء السنة والشيعة جنباً إلى جنبٍ في فترات طويلة من التاريخ.لكنّ السنوات الأخيرة، بما حملته من حروبٍ وانقساماتٍ وميليشيات وصراعات إقليمية، جعلت اللغة أكثر حدّة،والقلوب أكثر تعباً. فالناس الذين أنهكتهم الأزمات الاقتصادية والسياسية باتوا أكثر قابلية للانجرار خلف خطاب الغضب. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الخطيب المتحمّس أو السياسي الغاضب قادراً على إشعال نارٍ يصعب إطفاؤها.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في شخصٍ يطلق عبارةً مستفزة أو في ردّة فعلٍ غاضبة على وسائل التواصل، بل في المناخ العام الذي يسمح بتضخيم تلك العبارات حتى تتحول إلى معركة هوية.فالأمم القوية لا ترتجف أمام كلماتٍ عابرة، لأنها واثقة من تاريخها ومن نفسها.ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي: ماذا يريد العرب اليوم؟
هل يريدون أن يعودوا إلى معارك النَّسب والقبائل، أم يريدون أن يستعيدوا المعنى الأعمق للحضارة التي أنشأها أسلافهم؟لقد كان النبي محمد صل الله عليه وسلم عربياً من حيث الأصل، نعم، لكن رسالته لم تكن عربية بالمعنى الضيق؛ كانت إنسانيةً واسعةً كسعة السماء. ولذلك دخل في الإسلام الفارسي والرومي والحبشي والعربي، ولم يشعر أحد منهم أنه غريب في هذه الرسالة. بل إنّ بعض أعظم العلماء في تاريخ الإسلام لم يكونوا عرباً أصلاً،ومع ذلك كتبوا بالعربية وأغنوا حضارتها.
وهنا يظهر الفرق بين العروبة الحضارية والعصبية العرقية. الأولى مشروع ثقافي وإنساني مفتوح، والثانية قفص ضيق يعيد الإنسان إلى زمن القبيلة الأولى.إنّ ما يمرّ به العراق والمنطقة اليوم ليس مجرد صراع سياسي، بل لحظة تحوّل تاريخي. فبعد سنواتٍ طويلة من الحروب والميليشيات والانقسامات، بدأت ملامح مرحلةٍ جديدة تتشكل، مرحلة تبحث فيها المجتمعات عن الدولة قبل الطائفة،وعن القانون قبل السلاح، وعن المواطنة قبل الولاء الضيق. وربما لهذا السبب يبدو المشهد مضطرباً؛ لأن كل تحوّل كبير يمرّ أولاً بمرحلة صخبٍ وفوضى قبل أن يستقر.لكنّ الطريق إلى الاستقرار لا يمر عبر لغة الإلغاء أو الكراهية. فالأمم التي تسحق جزءاً من نفسها لا تنتصر، بل تضعف أكثر. والعراق، بكل طوائفه وأعراقه، ليس ملكاً لفئة دون أخرى، بل هو بيتٌ واسع لا يمكن أن يُدار بعقلية الغلبة الدائمة.إنّ أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الأزمات هو أن ينسى الناس الحقيقة البسيطة: أن التاريخ أطول من أعمار السياسيين، وأن الأوطان أبقى من الحكومات، وأن الشعوب التي تتصارع على الماضي قد تخسر المستقبل.ولذلك فإن الحكمة التي يحتاجها العالم العربي اليوم ليست في كسب معركة كلامية، بل في إنقاذ المعنى من الضجيج. فالدين أكبر من أن يُختصر في خطيبٍ غاضب، والتاريخ أكبر من أن يُستخدم كسلاح، والعراق أكبر من أن يبقى أسيراً لصراعات لا تنتهي.وربما سيأتي يومٌ ينظر فيه الجيل القادم إلى هذه المرحلة كما ينظر المرء إلى عاصفةٍ مرّت فوق الصحراء ثم هدأت. يومها سيدرك الجميع أن ما يبقى في النهاية ليس الصراخ، بل ما تبنيه العقول الهادئة والقلوب التي تعرف أن الحكمة، لا الغضب، هي الطريق الوحيد للخروج من متاهة الفتنة.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.


المزيد.....




- -مجلس الكهف- في السعودية..هكذا قام سعودي بتجويفه داخل الجبال ...
- -سنجعل أمهاتكم يبكين عليكم-.. النظام الإيراني يُوجّه تهديدات ...
- -ما فعله آخر صاروخ إيراني بتل أبيب-.. ما حقيقة الفيديو؟
- البحرين.. فيديو يكشف نتيجة هجوم إيراني على مستودع وقود
- هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية إيطالية في أربيل بالعراق
- حريق في مستودع وقود بالبحرين عقب هجوم إيراني
- بجانب ورقة قوة بيد طهران.. انظر لمركز إيران على قائمة احتياط ...
- مسيرات -يوم القدس- في إيران.. هل ستُقام هذا العام كما خُطط ل ...
- تجدد القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله وقتلى في بيروت
- مشاركة عزاء للرفيق بهاء أبو شرار بوفاة جده


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.