أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف المجوس؟.














المزيد.....

صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف المجوس؟.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8644 - 2026 / 3 / 12 - 09:12
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس في التاريخ ما يُخيف الضجيج بقدر ما تُخيفه الحقيقة. فالتاريخ ـ على امتداد قرونه ـ لا ينحاز إلى الصراخ، بل إلى الأثر الذي تركته الأمم في ذاكرة الأرض. وحين يخرج من يقول إن غير العرب صنعوا ما عجز عنه العرب، فإن أول ما ينبغي فعله ليس الردّ بالعاطفة، بل فتح سجلّ الزمن، لأن هذا السجل لا يكتب بالحبر، بل بعرق الحضارات ودموع الشعوب.العرب لم يخرجوا إلى التاريخ قبائل متفرقة تبحث عن مجدٍ ضائع، بل خرجوا بفكرةٍ هائلة قلبت موازين العالم، فكرة حملها محمد بن عبد الله، فحوّلت الرمال إلى منابر،واللغة إلى رسالة، والإنسان إلى قيمة تتجاوز القبيلة والعرق. ومن تلك اللحظة بدأ العرب يكتبون فصلاً جديدًا في تاريخ الإنسانية؛ فحيثما وصلوا لم يكن السيف وحده هو الذي يصل، بل المدرسة والمكتبة والمدينة.انظر إلى الأرض التي فتحوها، لم يتركوها خرائب، بل حوّلوها إلى عواصم للعلم. في بغداد قامت دار الحكمة التي كانت أعظم مركز للترجمة والمعرفة في العالم القديم، حيث تُرجمت علوم اليونان والهند وفارس، وخرج منها علماء غيّروا مسار الفكر البشري. وفي دمشق ارتفعت المساجد التي كانت مدارس للفقه والفلسفة واللغة. وفي القاهرة قامت منارات العلم التي ظلّت قرونًا تضيء للطلاب. ثم امضِ غربًا إلى الأندلس حيث تحولت مدن مثل قرطبة إلى عاصمة للعلم في أوروبا، مدينة كانت مكتباتها تضاهي مدن العالم مجتمعة، وكان طلاب أوروبا يقصدونها كما يقصد العطاش مورد الماء.ولم يكن المجد العربي مجرد علمٍ وحضارة، بل كان أيضًا شجاعةً عسكرية صنعت لحظاتٍ فارقة في التاريخ. يوم وقف العرب أمام أعظم إمبراطوريات زمانهم لم يقفوا كغزاةٍ عابرين، بل كأمةٍ تعرف ما تريد. من معارك الشام والعراق إلى فتح مصر، ومن عبور المضيق إلى الأندلس حيث خطا طارق بن زياد أولى خطواته على أرض أوروبا، بدأت قصة حضارة امتدت قرونًا. ثم جاءت صرخة المعتصم بالله حين هبّ لنصرة امرأة مسلمة ففتح عمورية، فصارت تلك الواقعة رمزًا في الذاكرة العربية لمعنى النصرة والكرامة. ولم يتوقف التاريخ عند ذلك، بل استمرت محاولات العرب والمسلمين لطرق أبواب القسطنطينية عبر قرون طويلة، حتى أصبحت تلك المدينة حلمًا تاريخيًا يرمز إلى الإرادة التي لا تنكسر.لكن التاريخ ليس صفحةً بيضاء فقط؛ ففي ظلال الحضارات تنمو أيضًا بذور الفتن. وبينما كان العرب يبنون المدن ويؤسسون المدارس،ظهرت في أطراف التاريخ حركات تمردٍ ومؤامرات سياسية ودينية لم تتردد في ضرب قلب العالم الإسلامي. من تلك الصفحات السوداء حادثة اقتلاع الحجر الأسود من الكعبة المشرفة على يد حركة القرامطة بقيادة أبو طاهر الجنابي، حين هوجم الحجاج في أقدس بقاع الأرض وسُفكت دماؤهم في حادثةٍ بقيت وصمة في ذاكرة المسلمين.ثم ظهرت حركات باطنية وسرية في التاريخ الإسلامي مثل جماعة الحشاشين التي ارتبط اسمها بالاغتيالات السياسية ونشر الرعب، في زمنٍ كانت فيه الدولة الإسلامية تعاني من الانقسامات والصراعات الداخلية.وفي فتراتٍ أخرى دخلت الساحة قوى سياسية فارسية الأصل مثل الدولة البويهية التي فرضت نفوذها في بغداد زمنًا، وكذلك الصراعات التي ارتبطت بنفوذ بعض الأسر مثل البرامكة في البلاط العباسي قبل سقوطهم في عهد هارون الرشيد.ولم تكن تلك الصراعات معزولة عن سياق أكبر؛ فقد شهدت مراحل لاحقة تحالفات وصراعات مع قوى كبرى مثل المغول والتتار، حين اجتاحوا العالم الإسلامي وأسقطوا بغداد سنة 1258م في واحدة من أعظم الكوارث الحضارية في التاريخ. وفي تلك الفوضى الكبرى ظهرت كل أشكال التحالفات والانقسامات، مما يكشف أن التاريخ ليس صراعًا بسيطًا بين قوم وقوم، بل شبكة معقدة من المصالح والخيانات والطموحات.لكن حين يعود الباحث إلى الميزان الأكبر، ميزان الحضارة، سيجد الفرق واضحًا. العرب حين نهضوا نهضوا بفكرةٍ صنعت مدنًا وجامعات وكتبًا ومكتبات، بينما كثير من الصراعات التي عصفت بالعالم الإسلامي كانت صراعات نفوذٍ لا مشروع حضاريًا فيها. الحضارة تُقاس بما تبنيه من معرفة، لا بما تشعله من نزاعات، وبما تزرعه من نور، لا بما تتركه من رماد.ولهذا فإن التاريخ، مهما حاول البعض اختزاله في شعارات أو صراعات سياسية، يبقى شاهدًا على حقيقةٍ واحدة: أن العرب حين دخلوا التاريخ لم يدخلوا كقبيلة تبحث عن الغلبة، بل كأمةٍ حملت رسالة، وبنت مدنًا، وحررت عقولًا، وكتبت صفحاتٍ من العلم ما زال العالم يقرأها حتى اليوم. أما الذين يظنون أن الضجيج السياسي يمكن أن يغيّر ميزان الحضارة، فإنهم يشبهون من يقف أمام بحرٍ عظيم ويحاول إقناع الناس بأن موجةً عابرة هي التي صنعت المحيط.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .
- حين يشيخُ اليقين وتنهضُ الأوطان.
- يوم الأگشر يوم عضّ لسانه… بين رقصة هناك ولطمة هنا .
- ما بعد مقتل مرشد إيران… نشوة السقوط وسؤال البديل.
- رمضان في منفى الوطن


المزيد.....




- -مجلس الكهف- في السعودية..هكذا قام سعودي بتجويفه داخل الجبال ...
- -سنجعل أمهاتكم يبكين عليكم-.. النظام الإيراني يُوجّه تهديدات ...
- -ما فعله آخر صاروخ إيراني بتل أبيب-.. ما حقيقة الفيديو؟
- البحرين.. فيديو يكشف نتيجة هجوم إيراني على مستودع وقود
- هجوم صاروخي على قاعدة عسكرية إيطالية في أربيل بالعراق
- حريق في مستودع وقود بالبحرين عقب هجوم إيراني
- بجانب ورقة قوة بيد طهران.. انظر لمركز إيران على قائمة احتياط ...
- مسيرات -يوم القدس- في إيران.. هل ستُقام هذا العام كما خُطط ل ...
- تجدد القصف المتبادل بين إسرائيل وحزب الله وقتلى في بيروت
- مشاركة عزاء للرفيق بهاء أبو شرار بوفاة جده


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف المجوس؟.