أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .














المزيد.....

لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 07:22
المحور: قضايا ثقافية
    


في هذا الشرق الذي يبدو كأنه وُلد من رحم الزلازل لا من رحم الجغرافيا، لا تكاد الحدود تستقر حتى تبدأ الخرائط بالارتجاف من جديد. هنا، حيث تتنفس السياسة من رئة التاريخ، وتغلي المذاهب في قدور الإمبراطوريات القديمة، لا تكون النار مجرد استعارة بل واقعاً حياً؛ ناراً تُشعلها الأيدي نفسها التي تتظاهر بالبحث عن الماء.وإيران، ذلك الكيان الذي يقف على تخوم الأسطورة والتاريخ، تبدو اليوم كمن يمسك عود الثقاب بيد، وخريطة بلاده باليد الأخرى، غير مدرك – أو ربما مدرك أكثر مما ينبغي – أن بعض الألعاب لا تنتهي بانتصار أحد، بل بانطفاء الجميع.منذ عقود، تحاول طهران أن تلعب دور الإمبراطورية التي لم تمت، وأن تقنع نفسها أولاً قبل أن تقنع الآخرين بأن التاريخ يمكن استعادته كما تُستعاد قطعة أثرية من متحفٍ منسي. لكنها تنسى – أو تتناسى – أن الإمبراطوريات لا تعود؛ إنها تتحول إلى دروس في كتب التاريخ، أو إلى تحذيرات مكتوبة بدماء الشعوب.إيران اليوم لا تتحرك كدولة تبحث عن استقرارها، بل كفكرة تبحث عن معركة. والفكرة حين تفقد صلتها بالواقع تتحول إلى نوع من الجنون السياسي الذي يظن أن العالم مجرد رقعة شطرنج، وأن البشر قطع يمكن التضحية بها في سبيل “كش ملك” متخيل.لكن المشكلة أن الشرق الأوسط ليس رقعة شطرنج.
إنه حقل ألغام… وكل خطوة فيه قد تكون الأخيرة.حين يتم استهداف تركيا للمرة الثالثة، لا يمكن قراءة الحدث كحادث عابر في دفتر الصراعات الإقليمية. فتركيا ليست مجرد دولة مجاورة في الجغرافيا؛ إنها أيضاً ذاكرة تاريخية لإمبراطورية كانت تحكم نصف هذا الشرق. ولهذا فإن العبث معها يشبه العبث بذاكرة التاريخ نفسه.وما يثير السخرية المريرة – تلك السخرية التي يبتسم لها العقل قبل أن يبكي – أن بعض صناع القرار في طهران يتصرفون وكأن القرن السابع عشر ما زال مستمراً، وكأن الجيوش تتحرك بدافع المجد الإمبراطوري لا بدافع الاقتصاد والعقوبات والضغط الدولي.إنهم يشبهون لاعب قمار يظن أن الحظ سيقف معه دائماً، رغم أن الطاولة مليئة بالخاسرين الذين سبقوه.المفارقة الأكثر قسوة أن إيران، وهي تحاول توسيع ظلها في المنطقة، قد تكون في الحقيقة توسع شقوقها الداخلية. فالدول لا تنهار عادة من الخارج أولاً؛ إنها تتصدع من الداخل حين يتحول المشروع السياسي إلى عبء على المجتمع، وحين تصبح الجغرافيا نفسها سجناً للشعوب التي تعيش فوقها.إيران ليست كتلة صلبة كما يتخيلها البعض. إنها فسيفساء معقدة من الأعراق والثقافات واللغات: فرس، أذريون، أكراد، عرب، بلوش… وكل هذه الشعوب تعيش داخل حدود رسمها التاريخ أكثر مما اختارتها الإرادة.وحين تلعب السلطة بالنار الإقليمية، فإنها في الحقيقة تضع تلك الفسيفساء فوق موقد مشتعل.التاريخ يخبرنا دائماً أن الدول متعددة القوميات قد تبدو قوية في ظاهرها، لكنها تخبئ هشاشة عميقة في باطنها. يكفي شرخ صغير، أو لحظة ضعف، حتى تبدأ القطع بالانفصال كما تتناثر قطع الزجاج بعد سقوط المرآة.وهنا تكمن المفارقة السوداء:إيران التي تحاول تفكيك المنطقة إلى مناطق نفوذ، قد تكون في الطريق نفسه نحو تفكيكها الداخلي.
لكن السياسة، كما نعرف، لا تتعلم بسهولة من المرايا.إنها تفضل النظر إلى الأوهام.في طهران، يبدو أن بعض العقول ما زالت تؤمن أن النفوذ يمكن تمديده إلى ما لا نهاية، وأن العالم سيظل يتفرج بصمت. لكن الحقيقة أن العالم لا يصمت… بل ينتظر اللحظة المناسبة.الولايات المتحدة، أوروبا، وحتى القوى الإقليمية، لا ترى في هذا التمدد سوى فرصة لإعادة ترتيب اللعبة. فحين يتجاوز لاعب ما حدود الطاولة، تبدأ بقية اللاعبين بالتفكير في كيفية إعادته إلى حجمه الطبيعي.وهنا يبدأ السيناريو الأكثر خطورة:ليس إسقاط النظام… بل تفكيك الدولة.فالعالم في هذا القرن لم يعد بحاجة إلى غزو الدول كما كان يحدث في الماضي؛ يكفي أن تُترك الأزمات تنضج ببطء، وأن تُفتح الأبواب أمام التناقضات الداخلية، حتى تتحول الدولة نفسها إلى مشروع تفكك ذاتي.إنها السياسة الحديثة:الهدم الصامت.ولهذا فإن اللعب بالنار مع تركيا – ومع المنطقة كلها – قد يكون الخطأ الاستراتيجي الأكبر في تاريخ إيران المعاصر. لأن النار، كما يعلم الفلاسفة قبل الجنرالات، لا تميز بين من أشعلها ومن يقف بجوارها.قد تبدأ شرارة في الحدود… لكنها قد تنتهي في قلب الخرائط.والخرائط، حين تتغير، لا تعود كما كانت.إنها تعيد كتابة التاريخ من جديد.ولهذا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل تستطيع إيران إشعال المزيد من الحرائق؟بل السؤال الأكثر رعباً:هل تستطيع إطفاء الحريق إذا وصل إلى بيتها؟فالنار، كما يعلم الحكماء، ليست لعبة…وخصوصاً حين يكون الوقود هو الجغرافيا نفسها.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.
- العالم على حافة نظام دولي جديد .
- العرش الذي بناه الدم… كيف ينهار؟
- وداعًا أديب ناصر… حين ينام الشاعر في حضن الوطن .
- سقوط النظام الإيراني… من انهيار السلطة إلى انبعاث الدولة .


المزيد.....




- فيديو يُظهر تصاعد الدخان من محيط السفارة الأمريكية في بغداد ...
- الهجمات الإيرانية على دول الخليج صباح السبت
- ماذا نعرف عن القادة الإيرانيين العشرة الذين تلاحقهم أمريكا؟ ...
- هجوم يستهدف السفارة الأمريكية في بغداد والدخان يتصاعد من داخ ...
- ترمب يربط انتهاء الحرب على إيران بـ-شعور في أعماقه-
- ترامب: إيران تريد إبرام اتفاق لكنني لن أوافق عليه
- ارتفاع عدد قتلى الجنود الأميركيين إلى 13
- كوريا الشمالية تطلق -مقذوفا غير محدد-
- الجيش الإسرائيلي يأمر سكان أحياء في تبريز بإخلاء منازلهم
- الجيش الأمريكي يرد على الحرس الثوري وادعاء تعطيل حاملة طائرا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .