أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.














المزيد.....

الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8648 - 2026 / 3 / 16 - 11:04
المحور: قضايا ثقافية
    


في الحروب الحديثة لم تعد الأرض وحدها هي التي تُقصف، ولم يعد الجنود وحدهم هم الذين يتقدمون إلى الجبهات. هناك جبهة أخرى لا تُرى على الخرائط العسكرية، لكنها ربما أكثر ضراوة وأشد تأثيرًا؛ جبهة تُدار في غرف الأخبار، وتُطلق قذائفها من شاشات التلفاز ومنصات الإعلام وموجات الأثير. إنها جبهة إعلام الحرب، حيث تتحول الحقيقة إلى هدف عسكري مشروع، وتصبح الرواية سلاحًا لا يقل فتكًا عن المدفع.الحرب في جوهرها صراع إرادات، لكن الإرادة لا تعيش في الفراغ؛ إنها تسكن العقول والقلوب، ولذلك فإن السيطرة على العقول تصبح الطريق الأقصر للسيطرة على الأرض. هنا يظهر الإعلام بوصفه الجنرال الخفي الذي يسبق الجيوش،ويعيد رسم خرائط المعركة في أذهان البشر قبل أن تُرسم على التراب. فالكلمة في زمن الحرب ليست مجرد أداة نقل، بل هي ذخيرة، واللغة ليست مجرد وسيلة تعبير، بل هي هندسة نفسية كاملة تُبنى بها القناعات وتُهدَم بها الحقائق.كل حرب تبدأ بقصة. قصة تُروى للناس لتبرير الرصاص قبل أن ينطلق، ولتجميل الموت قبل أن يحدث. وهذه القصة لا يكتبها الجنود في الخنادق، بل يكتبها الإعلاميون في استوديوهات مضاءة بعناية، حيث تتحول المأساة إلى خبر عاجل، ويتحول الدمار إلى صورة قابلة للبث، ويصبح الألم مادةً قابلة للمونتاج. هناك، في تلك الغرف المعقمة، تُصاغ الرواية الكبرى للحرب؛ رواية تُحدد من هو البطل ومن هو الشرير، من هو الضحية ومن هو الجلاد، ومن يستحق التعاطف ومن يستحق اللعنة.لكن الحقيقة، تلك الكلمة الثقيلة التي يتغنى بها الجميع، تكون غالبًا أول قتلى الحرب. إنها لا تموت برصاصة، بل تُغتال ببطء تحت ركام العناوين العاجلة والتحليلات المتدفقة والتقارير المتناقضة. فالإعلام في زمن الحرب لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن الرواية التي تخدم المعركة. وهنا تبدأ المأساة الفلسفية العميقة: هل ما نراه هو الواقع فعلًا، أم هو صورة مصنوعة بعناية لتقودنا إلى استنتاجات محددة سلفًا؟.. الصورة، في إعلام الحرب، ليست بريئة. إنها لحظة منتقاة بعناية من بحر هائل من اللحظات. لقطة واحدة لطفل يبكي قد تُشعل موجة تعاطف عالمية، وصورة أخرى لجندي مبتسم قد تُحوّل الهزيمة إلى بطولة. الكاميرا هنا لا توثق الحدث فقط، بل تعيد خلقه وفق زاوية معينة،فيصبح الواقع نفسه مادة قابلة للتشكيل. ومن هنا تنشأ سلطة الصورة،تلك السلطة التي قد تهزم في لحظة واحدة آلاف الكلمات، وربما آلاف الجنود.غير أن الخطر الأكبر في إعلام الحرب لا يكمن فقط في التضليل المتعمد، بل في تلك المنطقة الرمادية حيث تمتزج الحقيقة بالوهم. فالحرب ليست دائمًا أكذوبة كاملة، لكنها أيضًا ليست حقيقة كاملة. إنها مزيج كثيف من الوقائع والتفسيرات والانحيازات،يتداخل فيه الخبر مع الرأي، والحدث مع التأويل، حتى يصبح القارئ أو المشاهد أسيرًا لرواية واحدة يظنها الحقيقة المطلقة.وهنا تظهر المفارقة الكبرى: الإنسان في زمن الحرب يعتقد أنه يتابع الأخبار، بينما هو في الواقع يتلقى جرعات متتالية من الحرب النفسية. فكل عنوان عاجل، وكل تحليل سياسي، وكل صورة صادمة،تحمل في طياتها رسالة خفية موجهة إلى الوعي الجمعي. الهدف ليس فقط إخبار الناس بما يحدث، بل تشكيل شعورهم تجاه ما يحدث؛ أن يحبوا طرفًا ويكرهوا طرفًا، أن يخافوا من عدو معين أو يثقوا بقائد معين.إن إعلام الحرب يشبه إلى حد بعيد مسرحًا هائلًا تُعرض عليه مأساة البشر، لكن الجمهور لا يرى الكواليس حيث تُكتب السيناريوهات وتُحدد الزوايا وتُحذف اللقطات غير المرغوبة. وما يُعرض على الشاشة ليس دائمًا كل ما حدث، بل ما سُمح له أن يحدث أمام أعيننا.ومع تطور التكنولوجيا، اتسعت هذه الجبهة الإعلامية بشكل غير مسبوق. لم يعد الإعلام حكرًا على المؤسسات الكبرى، بل أصبح كل هاتف ذكي كاميرا حرب محتملة، وكل حساب على منصة رقمية منبرًا يمكن أن يطلق منه خبر أو شائعة أو رواية كاملة. وهكذا تحولت الحرب الإعلامية إلى شبكة هائلة من الأصوات المتصارعة، حيث تختلط الحقيقة بالضجيج، ويضيع اليقين في متاهة من الروايات المتنافسة.لكن رغم هذا الضجيج كله، تبقى الحقيقة كائنًا عنيدًا لا يموت بسهولة. قد تُدفن تحت الأنقاض، وقد تُشوَّه، وقد تُستخدم وتُستغل، لكنها في نهاية المطاف تظل تحاول الظهور من بين الركام. ولعل أعظم مهمة للإعلام الحقيقي ليست أن يصرخ بصوت أعلى من الجميع، بل أن يبحث بشجاعة عن تلك الحقيقة الهاربة،حتى لو كانت مؤلمة أو غير مرغوبة.إن الحرب، في صورتها العارية،مأساة إنسانية قبل أن تكون حدثًا سياسيًا أو عسكريًا. والإعلام،حين يفقد ضميره، قد يحول هذه المأساة إلى عرض يومي يُستهلك مع فنجان قهوة الصباح. لكن حين يحتفظ بإنسانيته،يصبح شاهدًا على الألم، ومرآةً تعكس الحقيقة بدل أن تزيّفها.
وهكذا تستمر المعركة الخفية، لا بين الجيوش وحدها، بل بين الروايات أيضًا. معركة على المعنى، وعلى الذاكرة، وعلى الطريقة التي سيُكتب بها التاريخ لاحقًا. فالحروب قد تنتهي بتوقيع اتفاق أو وقف إطلاق نار، لكن معركة الرواية لا تنتهي بسهولة، لأنها المعركة التي تحدد في النهاية من كان البطل، ومن كان الضحية، ومن كان مجرد رقمٍ آخر في نشرات الأخبار.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.
- عندما يتعب الطغيان من حمل بندقيته.
- سنوات الخوف الطويلة… ونهاية أسطورة النار.


المزيد.....




- كيف أعاد شهر رمضان تشكيل صيحات الموضة العالمية؟
- هذه أفضل 10 مدن في العالم بحسب تصنيف مجلة -تايم آوت-
- كاميرا ترصد لحظة مرعبة.. سيارة أجرة تدهس امرأتين على رصيف في ...
- هكذا ردت خارجية الصين على طلب ترامب بإرسال سفن لتأمين مضيق ه ...
- جمال ريان: الموت يُغيب أول مذيع ظهر على شبكة الجزيرة
- مع استهداف جديد.. صور فضائية تُظهر استمرار تصاعد الدخان في م ...
- إيران بعد اغتيال المرشد: لماذا لم يسقط النظام فورا؟!
- ترامب يدعو إلى -تحالف هرمز-.. كيف ردت الدول؟
- من هرمز إلى خرج.. هكذا يتصاعد الصراع بين واشنطن وطهران
- الفجيرة.. نشوب حريق متطور ناجم عن استهداف بطائرة مسيرة


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.