أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق على حافة الغد .















المزيد.....

العراق على حافة الغد .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8649 - 2026 / 3 / 17 - 10:12
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر ما يواجه الأمم أن تمر بأزمةٍ عابرة، فالأزمات في تاريخ الدول تشبه العواصف في تاريخ البحار، تهبّ فجأة ثم تنقشع تاركةً المرافئ مثقلةً بالحطام،لكنها لا تقتل البحر نفسه. الخطر الحقيقي يبدأ حين تتحول الدولة إلى كائن يعيش على موردٍ واحد كما يعيش المدمن على جرعةٍ واحدة من الهواء، فإذا انقطعت لحظةً اختنق. وهنا تكمن المعضلة العراقية التي تتسلل الآن بصمتٍ ثقيل في دهاليز الاقتصاد والسياسة، كظلٍ طويل لا يراه الناس إلا حين يقف الضوء في منتصف الحقيقة.إن العراق منذ عقود طويلة يعيش على نفطٍ يشبه الرئة الوحيدة،بينما بقية الجسد الاقتصادي مجرد أطرافٍ شبه معطلة، لا صناعة قادرة على خلق الثروة، ولا زراعة تحمي الأمن الغذائي، ولا نظام مالي يملك المناعة الكافية أمام صدمات العالم.ولهذا فإن كل ارتجافٍ في سوق النفط لا يكون مجرد رقمٍ في نشرات الاقتصاد، بل يصبح ارتجافاً في حياة الناس نفسها، في رواتبهم ولقمة عيشهم واستقرارهم النفسي، كأن البلاد كلها مربوطة بحبلٍ واحد إذا اهتزّ اهتزّ معه كل شيء.في الأزمنة الهادئة قد يبدو هذا الاعتماد أمراً طبيعياً، لأن النفط يفيض بالأموال ويخلق وهم الاستقرار،لكن الفلسفة السياسية تعلمنا أن أخطر أنواع الاستقرار هو ذلك الذي يقوم على عاملٍ واحد، لأن العامل الواحد يحمل في داخله بذرة الانهيار.فالدولة التي لا تمتلك مصادر متعددة للثروة تشبه بيتاً ببابٍ واحد،يكفي أن يُغلق حتى يتحول البيت إلى سجنٍ كبير. واليوم يقف العراق أمام هذا الباب المغلق جزئياً، حيث تتشابك السياسة الإقليمية مع حسابات الاقتصاد العالمي ومع أخطاء الإدارة الداخلية، لتخلق حالةً من القلق العميق الذي يهمس به الخبراء قبل أن يصرخ به الشارع. إن حركة النفط في العالم ليست مجرد شحناتٍ تسير في البحر، بل شبكة معقدة من المصالح والضغوط والممرات البحرية، وإذا تعطلت هذه الشبكة لأي سبب فإن الدول التي تعتمد عليها كلياً تدخل في حالة ارتباكٍ مالي قد يتحول سريعاً إلى أزمة اجتماعية.والأخطر من ذلك أن الاقتصاد العراقي لا يعاني فقط من الاعتماد على النفط، بل من طريقة إدارة العائدات نفسها، حيث تتحول الدولة في كثير من الأحيان إلى جهاز توزيع رواتب أكثر من كونها جهاز إنتاج ثروة. إن الرواتب في العراق ليست مجرد استحقاق وظيفي،بل صمام أمان اجتماعي لطبقة واسعة من المجتمع، ولذلك فإن أي تهديد لها يتحول فوراً إلى قلقٍ عام.وهنا تبدأ الأسئلة الثقيلة التي يطرحها المستقبل القريب: ماذا تفعل الحكومة إذا تعثرت العائدات النفطية أو تأخرت؟ وكيف يمكن لدولةٍ اعتادت الإنفاق السريع أن تتعامل مع زمن التقشف المفاجئ؟ إن الحكومات في مثل هذه الحالات تلجأ عادةً إلى ثلاثة مسارات كلاسيكية: الاقتراض، أو السحب من الاحتياطيات، أو إعادة ترتيب النظام المالي بطريقةٍ قد تمسّ ودائع المواطنين أو حركة المصارف. وكل خيار من هذه الخيارات يحمل في داخله معضلة أخلاقية واقتصادية في آنٍ واحد، لأن الدولة حين تستدين تؤجل الأزمة لكنها لا تحلها، وحين تستهلك الاحتياطيات فإنها تقتطع من أمان الأجيال القادمة، وحين تعبث بالنظام المصرفي فإنها تضرب الثقة التي هي أساس الاقتصاد كله.إن أخطر ما يمكن أن يحدث في اقتصادٍ هش هو انهيار الثقة. فالمصارف في أي بلد ليست خزائن للمال فقط، بل خزائن للثقة بين المواطن والدولة. وإذا بدأ الناس يشعرون أن أموالهم ليست آمنة، فإن رد الفعل الطبيعي سيكون الهروب الجماعي نحو سحب المدخرات،وهذا السلوك وحده قادر على إسقاط أي نظام مصرفي مهما كان قوياً،لأن المصارف لا تحتفظ بالأموال كاملة بل تديرها ضمن دورة مالية مستمرة. لذلك فإن مجرد انتشار الخوف كفيل بأن يخلق أزمةً حقيقية حتى لو لم تكن الأزمة موجودة في الأصل. وهنا يظهر الوجه الفلسفي للمشكلة، حيث يتحول الاقتصاد من أرقام إلى علمٍ للنفس البشرية، لأن الأسواق في النهاية تتحرك بالخوف أكثر مما تتحرك بالمنطق.وإذا أردنا أن ننظر إلى المسألة من زاويةٍ أعمق، فإن الأزمة العراقية ليست فقط أزمة مال، بل أزمة رؤية طويلة الأمد. فالدولة التي لا تفكر في المستقبل إلا بوصفه امتداداً للحاضر ستجد نفسها دائماً أسيرة اللحظة. لقد مرّ العراق بعقودٍ طويلة من التحولات السياسية والاقتصادية، لكن السؤال الذي بقي معلقاً هو: لماذا لم يتحول النفط إلى جسرٍ لبناء اقتصاد متنوع؟ إن الدول التي نجحت في استثمار ثرواتها الطبيعية لم تتعامل معها كغاية، بل كوسيلة لبناء قطاعات أخرى، فأنشأت صناعاتٍ ضخمة وصناديق سيادية واستثمارات عالمية تحميها من تقلبات السوق. أما العراق فظل يدور في حلقة الاستهلاك السريع، كأن الثروة نهرٌ لا ينضب، مع أن التاريخ الاقتصادي يعلمنا أن الثروة التي لا تتحول إلى إنتاج تتحول في النهاية إلى عبء.وفي الأفق القريب يقف العراق أمام اختبارٍ صعب، لأن الاقتصاد لم يعد قضية مالية فحسب، بل أصبح قضية سيادة وطنية.فالدولة التي تعتمد على مصدرٍ واحد للمال تصبح أكثر عرضة للضغط السياسي والاقتصادي من الخارج، بينما الدولة المتنوعة الموارد تمتلك هامشاً أوسع من الاستقلال. لذلك فإن مستقبل العراق الاقتصادي لن يتحدد فقط بكمية النفط التي يبيعها، بل بقدرته على الخروج من أسر النفط نفسه. إن المسألة لم تعد سؤالاً عن سعر البرميل،بل عن فلسفة الدولة في إدارة الثروة.وقد تبدو الصورة قاتمة للوهلة الأولى، لكن التاريخ يخبرنا أيضاً أن الأزمات قد تكون لحظات ولادة جديدة إذا امتلكت الدول شجاعة المراجعة.فالعراق يمتلك إمكانات هائلة في الزراعة والطاقة والسياحة والصناعة الخفيفة، لكنه يحتاج إلى إرادة سياسية تعيد ترتيب الأولويات بعيداً عن منطق الريع السهل. إن بناء اقتصادٍ متوازن ليس قراراً إدارياً بسيطاً، بل مشروع حضاري يحتاج إلى سنوات من التخطيط والجرأة، لكنه في النهاية الطريق الوحيد الذي يمكن أن ينقذ البلاد من تكرار هذه المخاوف كلما اهتزّ سوق النفط أو توترت السياسة في المنطقة.وهكذا يقف العراق اليوم أمام مفترقٍ دقيق بين زمنين: زمنٍ قديمٍ كان النفط فيه كافياً لإخفاء العيوب، وزمنٍ جديدٍ لا يكفي فيه النفط وحده لشراء الاستقرار. وبين هذين الزمنين يقف المواطن متسائلاً بقلقٍ مشروع عن مستقبله، بينما تقف الحكومة أمام اختبار التاريخ: هل ستكتفي بإدارة الأزمة كما اعتادت، أم ستبدأ أخيراً بكتابة فصلٍ اقتصادي جديد يحرر البلاد من هذا القلق المزمن؟ إن الجواب عن هذا السؤال لن يحدده خطاب سياسي أو بيان حكومي، بل سيحدده مسار السنوات القليلة القادمة، حين يكشف المستقبل إن كان العراق قادراً على تحويل الخطر إلى فرصة، أم أنه سيظل يدور في دائرة الخوف من الغد.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...
- أنثى الرماد
- العراق بين رايتين… حين يصبح حب الوطن تهمة.


المزيد.....




- تتناول ضرب مدرسة البنات بإيران.. رقابة الصين تسمح لمقاطع بال ...
- ماتداعيات رفض حلفاء واشنطن تلبية دعوة ترامب لتأمين مضيق هرمز ...
- إلا بشروط.. دمشق تقيّد بيع المشروبات الكحولية
- ما هي أبعاد وتداعيات إدراج -إخوان السودان- على قائمة الإرهاب ...
- لماذا تعتبر إسرائيل اغتيال علي لاريجاني وغلام رضا سليماني إن ...
- إسرائيل تعلن مقتل أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني ع ...
- تصاعد الصراع في الشرق الأوسط يدفع شركات الطيران لإلغاء المزي ...
- لبنان: أكثر من مليون نازح بأقل من أسبوعين وأكثر من 900 قتيل ...
- إسرائيل تعلن اغتيال لاريجاني وطهران ترفض مقترحات لخفض التصعي ...
- إيران تطلق 3 رشقات صاروخية على إسرائيل خلال ساعتين.. ماذا اس ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - العراق على حافة الغد .