أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن عمر بن الخطاب.














المزيد.....

حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن عمر بن الخطاب.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 08:32
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن التاريخ يومًا دفترًا محايدًا، بل كان دائمًا يميل لمن يكتبونه، إلا في لحظات نادرة، حين تظهر شخصية تُجبر الزمن نفسه أن ينحني لها، لا إعجابًا، بل رهبةً من صدقها. هناك، في تلك المسافة الفاصلة بين الخوف والعدل، وُلدت الحكاية التي لا تُشبه سواها، حكاية رجل لم يكن الأقوى بسيفه فقط، بل لأنه جعل من ضميره سيفًا مسلطًا على نفسه قبل غيره. ذلك هو عمر بن الخطاب، الذي لم يكن مجرد خليفة، بل كان سؤالًا مفتوحًا على البشرية: كيف يمكن للإنسان أن يكون قويًا إلى هذا الحد… وعادلًا إلى هذا الحد؟.. كان يمكن لعمر أن يكون طاغيةً عظيماً، فكل أدوات الطغيان كانت بين يديه: الهيبة، والسلطة، والخوف الذي يسبق اسمه. لكنه اختار طريقًا أكثر وعورة، طريقًا لا يسير فيه إلا من أدرك أن القوة الحقيقية ليست في أن تُخضع الناس، بل في أن تُخضع نفسك أولًا.وهنا تبدأ المفارقة التي أربكت التاريخ: رجلٌ يخشاه العالم، لكنه يخاف من تعثر بغلة في أرض بعيدة، لأنه يعلم أن السؤال سيصل إليه. أي عقلٍ هذا الذي يرى في كل تفصيل صغير مسؤولية كونية؟ وأي قلبٍ هذا الذي لا يهدأ إلا حين يطمئن أن العدالة لم تُخدش في زاوية منسية؟..لم يكن عمر ينام كما ينام الملوك، بل كان يسهر كما يسهر الحراس الذين لا يثقون في الليل.كانت المدن تتسع، والفتوحات تكبر، والدولة تكاد تتحول إلى إمبراطورية، لكنه ظل يعيش بعين الفقير، ويقيس الأمور بمقياس الجائع، لا بمقياس المنتصر. لم تغره السلطة، لأنه كان يرى فيها امتحانًا لا غنيمة، وكان يدرك أن الكرسي الذي يجلس عليه ليس عرشًا، بل منصة حساب مؤجلة. لذلك كان قاسيًا، نعم، لكنه كان قاسيًا على نفسه أولًا، وكأن داخله قاضٍ لا ينام،يراقب كل حركة، ويحاسب كل نية.في زمنٍ كانت القوة تُقاس بعدد السيوف، جاء عمر ليعيد تعريفها بالكامل. لم يعد السيف هو الفيصل، بل أصبح العدل هو الذي يمنح السيف شرعيته. لم يعد الحاكم هو من يملك القرار، بل من يملك القدرة على أن يقول لنفسه “توقف”. هذه الكلمة الصغيرة التي عجز عنها الكثيرون، كانت سر عظمته. أن تكون قادرًا على كل شيء،ثم تختار أن تقيّد نفسك بالقيم، تلك هي القوة التي لا تُرى، لكنها تُغيّر مجرى التاريخ.ولأن العدل ليس شعارًا، بل تجربة يومية مؤلمة، فقد عاش عمر صراعًا دائمًا بين ما يستطيع أن يفعله،وما يجب أن يفعله. كان بإمكانه أن يبرر، أن يغضّ الطرف، أن يتسامح مع الخطأ حين يخدم مصلحة الدولة،لكنه كان يختار الطريق الأصعب:أن يكون الحق أعلى من كل مصلحة، حتى لو كلّفه ذلك راحته، أو شعبيته، أو حتى حياته. وهنا يكمن السر الذي لم يفهمه كثيرون: أن العدل ليس طريقًا إلى الاستقرار، بل هو غالبًا طريق إلى القلق، لأنك كلما اقتربت من الحقيقة، ازداد شعورك بثقل المسؤولية.لم يكن عمر مثالياً بالمعنى الساذج، بل كان واقعيًا إلى حد الألم.كان يعرف طبيعة البشر، ويعرف أن السلطة تُفسد، لكنه كان يحاول أن يخلق نظامًا يحدّ من هذا الفساد، لا بالكلام، بل بالمحاسبة. كان يراقب ولاته كما لو أنهم غرباء، لا لأنهم خونة، بل لأنه يؤمن أن الإنسان يتغير حين يُمتحن بالقوة. ولذلك، لم تكن هيبته نابعة من صوته المرتفع، بل من شعور الجميع أنه لا يساوم في الحق، وأنه مستعد لأن يقف ضد أقرب الناس إليه إذا انحرفوا.وهنا، في هذه النقطة تحديدًا،يتحول عمر من شخصية تاريخية إلى ظاهرة إنسانية. لأنه لم يكن يبحث عن المجد، بل عن النجاة...نجاة ضميره من أن يُثقل بظلمٍ لا يُغتفر. كان يرى الحكم كعبءٍ ثقيل، لا كامتياز، وكان يشعر أن كل يوم يمر عليه في السلطة هو يوم يُضاف إلى حسابٍ طويل ينتظره. لذلك لم يكن يسعى إلى أن يُحَب، بل إلى أن يكون عادلًا، حتى لو كرهه البعض. وهذه معادلة لا يستطيع الكثيرون تحملها: أن تختار الصواب بدل القبول، وأن تفضل الحقيقة على الشعبية.ومع كل ذلك، لم يكن عمر حجرًا بلا قلب، بل كان إنسانًا يحمل داخله رقةً يخفيها خلف صلابته.كان يبكي حين يسمع آية، ويرتجف حين يتذكر الحساب، ويضع رأسه على الأرض كأي إنسان بسيط، رغم أن الأرض كلها كانت تقريبًا تحت حكمه. هذا التناقض بين القوةوالضعف،بين الهيبة والخشوع، هو ما جعله مختلفًا. لأنه أثبت أن الإنسان لا يحتاج أن يتخلى عن إنسانيته ليكون قويًا، بل العكس تمامًا: كلما ازداد إنسانية، ازدادت قوته.إن أعظم ما تركه عمر ليس دولةً ولا فتوحات، بل فكرة… فكرة أن العدل ممكن، حتى في أصعب الظروف، وأن الإنسان قادر على أن ينتصر على نفسه قبل أن ينتصر على العالم. وهذه الفكرة، رغم بساطتها، هي أكثر ما يخيف، لأنها تضع الجميع أمام مرآة لا يمكن الهروب منها. فليس السؤال: هل كان عمر عظيمًا؟ بل السؤال الذي يطارد كل من يقرأ سيرته: لماذا لا نكون كذلك؟..هكذا، لا ينتهي عمر عند حدود التاريخ، بل يبدأ منها.يظل حاضرًا كمعيار، كقلق، كصوتٍ داخلي يهمس في أذن كل صاحب سلطة: هل أنت عادل… أم فقط قوي؟ وفي هذا السؤال، تختبئ كل الحكاية.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة


المزيد.....




- لحظة وقوع غارة صاروخية قرب صحفي أثناء بث مباشر في جنوب لبنان ...
- حوالي 2000 يورو هو السعر لالتقاط صورة مع ميغان
- إيران: لماذا الانزلاق وراء حرب المحروقات؟
- واشنطن توافق على بيع أسلحة للكويت والإمارات بقيمة تفوق 16 مل ...
- ترامب: هل فكّكت الحرب معسكره؟
- هل تغير إيران قواعد الاشتباك مع استهداف بنيتها التحتية؟
- عاجل | مراسلة الجزيرة: نتنياهو يعقد مؤتمرا صحفيا في طابق محص ...
- البنتاغون: لا يوجد إطار زمني محدد لإنهاء الحرب على إيران
- غضب طبي وسجال فني.. مشهد في -الكينغ- يشعل مواقع التواصل
- هكذا رد ترامب على صحفي ياباني حول سبب عدم إبلاغ أمريكا بلاده ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن عمر بن الخطاب.