أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .














المزيد.....

حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 10:49
المحور: قضايا ثقافية
    


ليس أخطر ما في الحروب أنها تُشعل النار، بل أنها تُعلّم الرماد كيف يتكلم.. وحين يخرج خبرٌ عن إصابة مفاعل نووي في مفاعل بوشهر النووي، فإننا لا نكون أمام حدثٍ عسكري عابر، بل أمام ارتجافة وجودية تمتد من خاصرة الخليج إلى قلب العراق، ومن زرقة الماء إلى هشاشة الهواء، ومن السياسة إلى ما هو أعمق: غريزة البقاء نفسها وهي تُسحب ببطء نحو الاحتمال الأسوأ… احتمال أن يتحول البحر إلى ذاكرة مشعة، وأن يصبح الماء – الذي خُلق للحياة – حاملاً خفياً للموت.لو انفجر هذا المفاعل، فإن السيناريو لن يكون مجرد “تلوث” كما تُختصر الكلمة في نشرات الأخبار، بل انهيار منظومة بيئية كاملة في الخليج العربي، حيث تتكاثف الكارثة في منطقة مغلقة مائياً، قليلة التجدد، ما يعني أن الإشعاع لن يرحل سريعاً، بل سيبقى، يتسلل إلى الأسماك،إلى محطات التحلية، إلى أجساد البشر،إلى الرئة قبل أن يصل إلى العناوين… سيكون الماء مشبعاً بنظائر مشعة، وسيتحول الهواء إلى ناقل صامت، وقد تمتد الآثار إلى جنوب العراق، حيث البصرة تحديداً، التي تعيش أصلاً على حافة اختلال بيئي، فتُضاف إليها طبقة أخرى من الاختناق، طبقة لا تُرى لكنها تُقاس بالعمر الذي يُسحب من الأجساد ببطء.الإشعاع لا يقتل دفعة واحدة… وهذه هي فظاعته الحقيقية، إنه لا يُحدث ضجيجاً بل يزرع صمتاً طويلاً، يغيّر الجينات، يشوّه الأجنة، يرفع نسب السرطان، ويجعل الزمن نفسه شريكاً في الجريمة، كما حدث في كارثة تشيرنوبل، وكما رأينا لاحقاً في كارثة فوكوشيما، حيث لم يكن الانفجار نهاية الكارثة، بل بدايتها الممتدة لعقود.لكن،هل نحن فعلاً أمام حادثة حقيقية؟ أم أمام رواية تُكتب بعناية داخل دهاليز السياسة؟ هنا يبدأ الشك، لا بوصفه ترفاً،بل كأداة قراءة… إيران، التي تتقن إدارة الأزمات كما تُتقن صناعتها،قد تستخدم مثل هذا الإعلان لعدة احتمالات متداخلة: أولها صناعة “درع نفسي” عبر التلويح بكارثة كبرى تجعل أي تصعيد ضدها يبدو مقامرة إقليمية خطيرة، وثانيها إعادة توجيه الرأي العام الداخلي من سؤال “لماذا نخسر؟” إلى سؤال “كيف ننجو؟”،وثالثها خلق حالة ضغط دولي تستدعي التدخل أو التهدئة، وكأنها تقول للعالم: إذا اقتربتم أكثر، فلن نحترق وحدنا… بل سيحترق الجميع.وفي المقابل، لا يمكن استبعاد فرضية “الضربة الحقيقية” في ظل تصاعد الصراعات غير المعلنة، حيث أصبحت المنشآت الحيوية أهدافاً رمزية بقدر ما هي استراتيجية، فإصابة مفاعل نووي ليست فقط عملاً عسكرياً، بل رسالة مشفّرة تقول إن خطوط الردع لم تعد ثابتة، وإن الحرب دخلت مرحلة “كسر المحرّمات”، وهي أخطر مراحلها على الإطلاق.أما عن إيران الجديدة، تلك التي تقف بعد خساراتها، وبعد مقتل قادتها، وبعد انكشاف أذرعها في أكثر من ساحة، فهي لا تفكر بمنطق الانتصار التقليدي، بل بمنطق “عدم السقوط الكامل”… إنها تراهن على الصبر، على إنهاك الخصوم، على اللعب في المساحات الرمادية، وعلى تحويل الخسارة إلى حالة استنزاف طويلة،فبعض الأنظمة لا تنتصر، لكنها أيضاً لا تسمح لنفسها بالانهيار، بل تعيش في منطقة بين الموت والحياة،تُدير الأزمة كأنها قدرٌ مؤجل.ولماذا ترفض الاستسلام؟ لأن الاستسلام، في وعي الأنظمة العقائدية،ليس نهاية حرب بل نهاية هوية… هو اعتراف بأن كل ما بُني كان وهماً، ولذلك تُفضّل أن تخسر كل شيء إلا هذا الاعتراف، فتُبقي على خطاب الانتصار حتى وهي تتراجع، لأن الرواية أهم من الواقع، ولأن الشعوب تُدار أحياناً بالكلمات أكثر مما تُدار بالحقائق.أما المشهد الداخلي الإيراني،فهو أكثر تعقيداً مما يبدو… فرح بعض الناس ليس بالضرورة حباً في البديل، بل كرهاً في الواقع، هو فرحٌ بالانفكاك من ثقل طويل، حتى لو لم تتضح ملامح الطريق بعد، بينما الحزن الذي تبديه بعض الأذرع في العراق والمنطقة ليس حزناً على أشخاص بقدر ما هو خوف من فقدان الامتداد، من انقطاع السند، من سقوط شبكة المصالح التي كانت تمنحهم القوة والهوية معاً… وهنا يتقاطع السياسي بالوجودي، حيث يتحول الصراع من صراع دول إلى صراع معاني.في النهاية، نحن لا نعيش حدثاً واحداً، بل طبقات من الاحتمالات… مفاعل قد يكون أصيب أو لم يُصب، نظام قد ينهار أو يعيد تشكيل نفسه، منطقة تقف على حافة التلوث أو حافة الانفجار السياسي، وشعوب تتأرجح بين الخوف والشماتة، بين الأمل والإنهاك… لكن الحقيقة الأكثر قسوة أن الشرق كله بات يشبه هذا المفاعل: مشحوناً بطاقة هائلة، محاطاً بتصدعات، ويكفي خطأ واحد فقط… ليكتب التاريخ فصلاً لا يُمحى، ليس بالحبر، بل بالإشعاع.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .


المزيد.....




- جزيرة أرانب وشجرة تحقق الأمنيات.. هذا ما ينتظرك في أرخبيل يا ...
- -للكبار فقط-.. أزياء جريئة للمشاهير في حفل ما بعد الأوسكار
- إسرائيل: صاروخ إيراني قرب تل أبيب يقتل زوجين مسنين في رمات غ ...
- واشنطن تستخدم قنابل خارقة للتحصينات قرب مضيق هرمز
- بين جيلين من المنشدين.. حكاية -آل المرعشلي- مع الفن الأصيل
- محاولة إسرائيلية لاغتيال وزير إيراني وليبرمان يدعو لزيادة ال ...
- طوابير وجري وتدافع في تايوان.. -هوس- كبير بـ-كعكة شوكولاتة د ...
- مطارات أمريكية تستقبل تبرعات لعمال النقل بسبب الإغلاق الحكوم ...
- هجوم صاروخي إيراني مميت يستهدف تل أبيب.. شاهد آثار الضربات
- على الخريطة.. مواقع الضربات الإسرائيلية في لبنان


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .