أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.














المزيد.....

وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8650 - 2026 / 3 / 18 - 09:06
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن رحيل سليمان البكري حدثًا عابرًا في تقويم الفقد، بل كان انكسارًا خفيًا في ضلع اللغة نفسها، كأن الحروف التي طالما احتمت بظلاله، خرجت اليوم عاريةً من معناها، تجرّ أذيال الصمت في طرقاتٍ لم تعد تعرف وقع خطاه. إننا لا نودّع رجلًا فحسب، بل نوارب باب عصرٍ كامل، ونطفئ قنديلًا ظلّ يضيء عتمة الأدب العراقي حين كانت الريح تعصف بكل شيء إلا بالروح التي آمنت بأن الكلمة موقف، وأن الجمال مقاومة، وأن الحرف حين يُكتب بصدقٍ يمكنه أن ينجو من كل مقاصل الرقابة.
كان البكري ابن الأرض التي تنبت النخيل كما تنبت الحكايات، من المقدادية خرج وفي عينيه زرقة الجداول، وفي قلبه بساتين لا تذبل،يحمل العراق كوشمٍ سرّي لا يراه إلا من يجيد قراءة الألم في سطور الشعراء. لم يكن كاتبًا يسكن النص، بل كان النص نفسه، بكل ما فيه من تمردٍ وحنين، من وجعٍ وضياء، من انكسارٍ يتقن الوقوف على حافته دون أن يسقط.كان يمشي في الأدب كما يمشي العارفون في مقامات الكشف، يلمس اللغة برفق ناسكٍ يعرف أن الحرف إذا انكسر لا يُجبر، وإذا تلوث لا يُغفر. كتب القصة حين كانت القصة فعل شجاعة،وكتب الرواية حين كانت الرواية تهمة،ووقف ناقدًا لا ليهدم بل ليعيد ترتيب الجمال في نصوص الآخرين، كأنه بستاني يخفف من زحام الفروع كي يترك للشمس طريقها نحو القلب.لكن القدر، كعادته مع الكبار، لم يكن كريمًا بما يكفي. اصطدم البكري بزمنٍ كان يخاف من الحروف، زمنٍ يرى في الرواية خطرًا، وفي القصة مؤامرة،وفي الفكر خروجًا على الطاعة.فكانت رواياته تُمنع، لا لأنها ضعيفة، بل لأنها صادقة، ولأنها قالت ما لا يريد السادة سماعه. وهكذا، ظلّ يكتب في الظل، كأنما يخبئ ضوءه من عيونٍ اعتادت العتمة، وكأن الإبداع في بلادنا قدره أن يُولد محاصرًا، ويعيش متهمًا، ويموت منفيًا حتى وهو في قلب بيته.وحين تقدمت به السنوات، لم ينكسر،بل اختار عزلته كما يختار الحكماء صوامعهم، لا هربًا من العالم، بل حفاظًا على ما تبقى من نقاء الروح. في مكتبته الصغيرة، كان يقيم مملكته الأخيرة، حيث لا سلطة إلا للمعنى، ولا رقابة إلا لضمير الكاتب. هناك، بين الكتب التي رافقته أكثر مما رافقه الناس، كان يصغي إلى صمتٍ أعمق من كل الضجيج، ويكتب، لا لينشر، بل ليبقى حيًا في وجه الموت البطيء الذي يصيب المثقف حين يُحاصر.وحين ننعاه اليوم، فإننا لا نبكيه وحده، بل نبكي تلك الأزمنة التي كان فيها الأدب رسالة لا وسيلة، موقفًا لا مهنة، نارًا لا رمادًا. نبكي العراق الذي كان يشبه نصوصه،جريحًا لكنه جميل، منكسرًا لكنه لا ينحني، غارقًا في الفوضى لكنه لا يفقد قدرته على الحلم. إن رحيل البكري هو سؤال موجع عن معنى أن تكون كاتبًا في بلادٍ تخاف من الكتابة، وأن تكون حرًا في وطنٍ يرى في الحرية تهديدًا دائمًا.لقد رحل، لكن صوته لم ينطفئ، سيبقى في تلك السطور التي تشبهه، في ذلك الحزن النبيل الذي ينساب بين الكلمات، في تلك القدرة العجيبة على تحويل الألم إلى جمال،والقهر إلى قصيدة، والخذلان إلى موقف. سيبقى في كل كاتبٍ تعلّم منه أن لا يساوم، وفي كل قارئٍ وجد في نصوصه ملاذًا من قسوة الواقع.ويا ديالى، يا أم البساتين والأنهار، كيف لكِ اليوم أن تتقبلي هذا الفقد؟ كيف للنخيل أن يقف دون أن ينحني، وقد سقط أحد ظلاله الوارفة؟ وكيف للبلابل أن تغني، وقد غاب من كان يفهم لغتها؟ لقد كنتِ فيه، وكان فيكِ، حتى صار الرحيل بينكما مستحيلًا… لكنه حدث، كما تحدث كل الخسارات الكبرى، فجأةً،وبصمتٍ يليق بالعظماء.نم قرير العين أيها الذي أتعبته الحياة ولم تُتعبه الكلمة، أيها الذي خسر المعارك كلها وربح نفسه، أيها الذي لم يساوم، ولم ينحنِ، ولم يبدل جلده ليرضي أحدًا. نم،فالأدب الذي أحببته سيظل يذكرك، لا كاسمٍ في سجل الراحلين، بل كنبضٍ خفي في جسد اللغة، كأثرٍ لا يُمحى،وكجرحٍ جميل يذكّرنا أن الكبار لا يموتون… بل يتحولون إلى معنى.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...
- الإنسان تحت القناع: أنياب الغريزة تختبئ خلف قفازات الحضارة
- كردستان… حين يقصف الحاسدون الجمال .
- الإمبراطورية التي احترقت بأذرعها: أفول المشروع الإيراني في ا ...


المزيد.....




- عراقجي من نيويورك: إيران صامدة ضد أي عدوان ومستعدة لدبلوماسي ...
- -ليس موطنا لتصفية الحسابات-.. علاء مبارك ينشر تدوينة عن -الش ...
- الدفاع الروسية تعلن ضرب منشآت طاقة ومراكز اتصالات ومستودعات ...
- هجوم إيراني مباغت يستهدف سفينة عسكرية غامضة ويصيب جنودا أمري ...
- من السر العسكري إلى السوق العالمية: كيف تحولت الصناعة النووي ...
- هوكابي: واشنطن ستبدأ قريبا بناء سفارتها الدائمة في القدس
- فيديو الملك عبدالله مع الأميرة إيمان وزوجها في أحد المطاعم ي ...
- مباشر: وزير الخارجية السعودي يصل إلى واشنطن لإجراء محادثات م ...
- سوريا تعلن تفكيك خلية تابعة لتنظيم الدولة
- إصابة 8 جنود أمريكيين في هجوم إيراني على سفينتهم بمضيق هرمز ...


المزيد.....

- ظلال القصيدة وأصداء النص الشعري / حكمت الحاج
- الموسوعة الثقافية الكبري الجزء الاول - الطبعة الثانية / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- كتاب الموسوعة الثقافية الكبرى الجزء الثاني / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- بعيدا عن الزبد قراءة في المشهد الثقافي / كريم الوائلي
- تحولات المعنى قراءة في التراث والحداثة / كريم الوائلي
- التفتيش التربوي في العراق في العهد الملكي مدرسة سامراء الابت ... / كريم الوائلي
- أزمة التعليم في العرا ق / كريم الوائلي
- منهج الدراسة الابتدائية في العراق الحديث / كريم الوائلي
- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.