أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل.














المزيد.....

عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8651 - 2026 / 3 / 19 - 13:38
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يَعبر علي بن أبي طالب صفحاتِ التاريخ عابرًا، بل شقَّها شقًّا، وكتب على بياضها بمدادٍ من نورٍ ودم، حتى غدت الحروفُ على يديه مواقف، والكلماتُ سيوفًا، والصمتُ بيانًا لا يُضاهى. كان إذا نطق أوجز فأعجز، وإذا قاتل أقدم فأحسم، وإذا حكم أعدل فأوجع، كأنّ البلاغةَ خُلقت لتستقيم في لسانه، وكأنّ الشجاعةَ وُضعت لتجد معناها في قبضته.لم تكن شجاعته حدَّ السيف فحسب، بل حدَّ البصيرة حين يضيق الأفق، وحين تختلط الطرقُ فلا يُعرف إلى أين تمضي الخطى. كان يرى قبل أن يرى الناس، ويزن قبل أن تطيش الموازين، ويصبر حيث لا يصبر أحد. وفي ساحة الوغى، لم يكن جسدًا يضرب، بل يقينًا يتقدّم؛ لا يُغريه صهيلُ النصر، ولا يُخيفه صمتُ الموت، لأنّه كان يعرف أنّ الحقّ لا يُقاس بكثرة السيوف، بل بنقاء النيّة، وأنّ الضربة التي تُقام على عدلٍ أبقى من ألف ضربةٍ تُقام على هوى.غير أنّ الشجاعة، حين تسكن قلبًا يعرف الحقّ، تتحوّل إلى محنة. فليست كلُّ معركةٍ تُخاض بالسيف، ولا كلُّ نصرٍ يُحتمل. وقد وجد عليّ نفسه في زمنٍ انفرط فيه العقد، وانشقّ فيه الجمع، فصار الحقُّ وجوهًا، وصار اليقينُ تأويلات. هناك، لم يعد السؤال: من الأقوى؟ بل: من الأصدق؟ ولم يعد الطريق مستقيمًا، بل مفترقًا تتنازعه النوايا. فكان عليّ يمشي على خيطٍ رفيعٍ بين أن يحفظ الحقّ وأن لا يُمزّق الأمّة، بين أن يحسم وأن لا يُفني، بين أن يَصدق وأن لا يُغريه انتصارٌ مريب.
ولم يكن هذا الوجع وليد لحظته وحدها،بل كانت له جذورٌ في زمنٍ عرف عليّ فيه رجالًا يشبهونه صدقًا وإن اختلفوا عنه طبعًا، وفي مقدّمتهم عمر بن الخطاب؛ رجلُ الشدّة التي تُنصف،والصرامة التي تُقيم العدل. كان بينهما من التقدير ما لا تصنعه السياسة، ومن المحبّة ما لا تهزّه الخلافات. كان عمرُ يلوذ برأي عليّ إذا اشتبهت المسالك، ويستضيء ببصيرته إذا ادلهمّت العتمات، حتى غدا قوله عنده ملاذًا، ورأيه مِحجّة. ولم يكن عليّ أقلّ وفاءً، بل كان يرى في عمر قوّةً تُقيم الحقّ إذا مال، وعزمًا يُعيد الميزان إذا اختلّ. هكذا كانت العلاقة: اختلافُ طباعٍ، واتفاقُ غاية؛ طريقان يلتقيان عند العدالة، وإن افترقا في المسير.
ثم تبدّل الزمان، وانفرجت الفتنة كجُرحٍ لا يُخاط، فدخل عليّ قلب العاصفة، لا بسيفٍ يطلب الغلبة، بل بقلبٍ يطلب النجاة للأمّة من نفسها. كانت كلّ خطوةٍ عنده حسابًا، وكلّ قرارٍ ميزانًا، لأنّه كان يرى ما وراء اللحظة، ويخشى أن يُقيم نصرًا يهدم غدًا. فآثر أن يبقى الحقُّ حيًّا ولو خسر الجولة، وأن تبقى القيم قائمة ولو اهتزّ العرش. هنا ظنّه بعضهم متردّدًا، وما كان كذلك، بل كان أبعد نظرًا من أن يشتري حاضرًا بثمن المستقبل.وحين سقط، لم يسقط رجلٌ فحسب، بل انكسر معنى. انطفأ مصباحٌ كان يُنير حدَّ السيف وحدَّ الكلمة معًا، وغابت كفّةٌ كانت تُوازن بين القوة والعدل. لم تبكِه القلوبُ وحدها، بل بكتْه المعاني؛ لأنّ الأمّة أدركت—متأخّرة—أنّها لم تخسر قائدًا، بل خسرت إمكانًا: إمكانَ أن تكون القوّة عادلة، وأن تكون الشجاعة واعية، وأن يكون الحكم ضميرًا لا مجرّد سلطان.ومنذ تلك اللحظة، والاختلافُ يتناسل، كأنّه وُلد يوم غاب عليّ ولم يجد من يُعيده إلى جادّته. كلُّ فريقٍ يدّعي قربه، وهو أبعد ما يكون عن روحه؛ لأنّ عليّ لا يُمتلك، ولا يُختزل في راية، ولا يُستعار لخصومة. عليّ ميزان، لا طرف؛ فكرة، لا شعار؛ جرحٌ يُذكّر، لا ذكرى تُنسى.يا عليّ، ما أشبه اليوم بالأمس، وما أبعد الناس عنك! كأنّك تركت لنا وصيّةً لم نقرأها، ورسالةً لم نفهمها، فظلّت الأمّة تدور في فلك السؤال: كيف نجمع بين سيفٍ لا يظلم، ولسانٍ لا يكذب، وقلبٍ لا يخون؟ وكيف نكون أقوياء دون أن نفقد عدالتنا، وعادلين دون أن نُهزم في أنفسنا؟يبقى اسمك امتحانًا لا ينجح فيه إلا من صادق نفسه، ومرآةً لا تُجامل من نظر فيها. فمن أرادك طريقًا،فليتطهّر من هوى الانتصار، وليتعلّم أن النصر الحقّ هو أن تبقى وفيًّا لما تؤمن به، ولو خذلك العالم. هكذا كنت… وهكذا ظللت: لسانَ الحقّ وسيفَه، والجرحَ الذي لم يندمل.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.
- صُنّاع الحضارة وصُنّاع الفتنة: ماذا بنى العرب وماذا خلّف الم ...
- نوستالوجيا… حين ينطق الحنين بصوت ناطق صلاح الدين.
- دراما رمضان ٢٠٢٦: نجوم كبار… ونصوص أ ...
- ممالك الظلّ حين تأكل أوطانها .
- عندما ينهزم الضجيج… وتبقى الحقيقة وحيدة.
- حين تصعد الفراشة إلى ضوءها الأخير… وداعاً لطفية الدليمي سيدة ...


المزيد.....




- أزمة مضيق هرمز تهدّد -الساموسا- والشاي بالحليب في الهند
- تناقضات بين قادة الاستخبارات الأمريكية وترامب بشأن رد إيران ...
- هل تخطّط الصين فعلًا لغزو تايوان في عام 2027؟
- ما حقيقة فيديو -ضرب مصالح أمريكية في الدمام بصاروخ باليستي إ ...
- هجمات إيرانية واسعة على منشآت الطاقة في دول المنطقة.. ما الخ ...
- استهداف حقل بارس وغيره.. هل تشعل إسرائيل المنطقة دون موافقة ...
- حرائق في منشآت طاقة خليجية إثر هجمات إيرانية
- غارات إسرائيلية جنوب لبنان وحزب الله يقصف كريات شمونة
- الدفاع السعودية تعلن سقوط مسيرة في مصفاة سامرف وتدمير صاروخ ...
- شظايا صاروخ تودي بحياة 3 نساء في صالون لتصفيف الشعر بالضفة ا ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل.