أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نشيدُ الانكسار الأخير.















المزيد.....

نشيدُ الانكسار الأخير.


حامد الضبياني

الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 19:30
المحور: قضايا ثقافية
    


لم يكن سقوطه حدثًا مفاجئًا كما تُصوِّر الروايات الساذجة، بل كان انحدارًا بطيئًا، أشبه بانطفاء نجمةٍ بعيدة لا يلحظه أحد، سوى ذلك الذي كان يحدّق طويلًا في سماء نفسه، منتظرًا أن يكتشف متى بدأ الضوء يخونه، ومتى تحوّل الدفء الذي كان يسكنه إلى بردٍ كونيٍّ لا يُقاوم. لقد كان رجلًا وُلد بحساسيةٍ زائدة تجاه العالم، كأن روحه صُنعت من مادةٍ شفافة ترى ما لا يُرى، وتسمع ما لا يُقال، وتُدرك الخيانات قبل أن تُرتكب، لكنها – paradox الحياة – كانت تعجز عن منعها.منذ شبابه الأول، كان يشعر أن هذا العالم لا يُشبهه، وأن الناس الذين يمرّون من حوله يملكون قدرةً مدهشة على التكيّف مع القبح، كأنهم عقدوا صلحًا سريًا مع الرداءة، بينما كان هو يرفض، بعنادٍ أقرب إلى النقاء، أن يُساوم على ما يراه حقًا، أو أن يُجمّل ما يعرف في قرارة نفسه أنه قبيح. ولهذا، لم يكن غريبًا أن يُدفع إلى الهامش، وأن يُعامل كغريبٍ في أرضٍ يفترض أنها أرضه، وأن يُنظر إليه كحالمٍ زائدٍ عن الحاجة في زمنٍ لا يحتمل الأحلام.كان الوطن بالنسبة له فكرةً أكبر من الجغرافيا، كان إحساسًا داخليًا بالكرامة، بالانتماء، بالقدرة على أن يقول الإنسان "لا" دون أن يخاف، لكنه رأى، يومًا بعد يوم، كيف يُختزل هذا الوطن إلى شعارات، وكيف يتحوّل إلى غنيمةٍ يتقاسمها أولئك الذين لا يرونه إلا كخريطةٍ قابلةٍ للبيع، أو ككرسيٍّ قابلٍ للتوارث، أو كخطابٍ يُلقى عند الحاجة. وكان أكثر ما يُؤلمه، ليس السقوط ذاته، بل ذلك الاحتفاء المريب به، ذلك التصفيق الذي يرافق كل خيانة، كأن الخيانة أصبحت مهارةً تُكافأ، لا خطيئةً تُدان.وفي قلب هذا الخراب، ظهرت هي، لا كاستثناءٍ بسيط، بل كاحتمالٍ كامل للخلاص. لم تكن امرأةً عادية، بل كانت نصًا مفتوحًا على احتمالاتٍ لا تنتهي،أديبة تعرف كيف تُخفي المعنى في الظلال، وكيف تُلمّع الكلمات حتى تبدو أكثر صدقًا مما هي عليه. أحبها كما لو أنه يعثر على نفسه فيها، كأنها المرآة التي تأخرت كثيرًا، لكنه حين وجدها، لم يسأل إن كانت صادقة، لأن الحب، في طبيعته الأولى، لا يعرف الشك، بل يؤمن، بإخلاصٍ أعمى، أن ما يشعر به هو الحقيقة الوحيدة الممكنة.كان يكتب لها كما يُصلي، وكان يقرأها كما يقرأ نصًا مقدسًا، وكان يظن أن اللقاء بين روحين بهذا العمق لا يمكن أن يكون عابرًا أو مشروطًا، لكنه لم يكن يدرك أن العالم الذي تعيش فيه لا يعترف بهذه البراءة، وأن اللغة التي تتقنها ليست لغة القلب، بل لغة التوازنات الدقيقة، حيث تُوزن المشاعر بميزان المصالح، وتُعاد صياغة العواطف بما يتناسب مع الظرف.كانت تُحبه، ربما، أو هكذا بدا له، لكنها كانت تُحب نفسها أكثر، تُحب بقاءها، استقرارها، صورتها، وكانت ترى فيه ملاذًا مؤقتًا، لا قدرًا نهائيًا. وحين بدأت ملامح الحقيقة تتكشف، لم تأتِ كصدمةٍ واحدة، بل كسلسلةٍ من الإشارات الصغيرة التي حاول تجاهلها، لأنه كان يعرف، في عمق إدراكه، أن الاعتراف بها يعني نهاية كل شيء.
رآها تُعيد كتابة الكلمات ذاتها لأشخاصٍ آخرين، تُوزع الحنان كما يُوزع خطابٌ سياسيٌّ مدروس، وتُجيد التلوّن بما يُبقيها في موقعٍ آمن. وحين واجهها – أو حاول – لم تكن قاسية كما توقع، بل كانت هادئة، عقلانية، تُبرر، تُفسر، تُقنع، كأنها تُدير حوارًا فلسفيًا لا علاقة له بالقلب، كأن الألم الذي كان ينهشه لا يستحق أكثر من تفسيرٍ منطقي.
وهنا، تحديدًا، لم ينكسر قلبه فقط، بل انكسر تصوّره عن العالم، عن الحب، عن الإنسان. أدرك أن الخيانة ليست فعلًا طارئًا، بل بنيةً عميقة في هذا الزمن، وأن الصدق ليس فضيلةً مُكافأة، بل عبءٌ ثقيل يدفع صاحبه ثمنه وحده. ومنذ تلك اللحظة، تغيّر كل شيء، لم يعد يبحث عن السعادة، بل عن تفسيرٍ للألم، ولم يعد يسأل كيف يعيش، بل لماذا يعيش أصلًا.صار الألم رفيقه الدائم، لا كحالةٍ عابرة، بل كهويةٍ جديدة، كأن وجعه أعاد تشكيله من جديد، وجعله أكثر وعيًا، وأكثر عزلة، وأكثر اقترابًا من حافة الأشياء. كان يجلس طويلًا مع نفسه، يُحلل، يُفكك، يُعيد تركيب الذكريات، لا ليُبرئها أو يُدينها، بل ليفهم كيف يمكن لقلبٍ أن يتحمّل كل هذا، دون أن يتوقف.
أصبح يُدرك أن العالم لا يُدار بالقيم، بل بالمصالح، وأن الذين ينجون ليسوا الأكثر صدقًا، بل الأكثر قدرةً على التلوّن، وأن الشريف، في هذا السياق، ليس بطلًا، بل ضحية مؤجلة. كان يرى ذلك في كل شيء، في السياسة، في العلاقات، في التفاصيل اليومية الصغيرة، كأن الخيانة لم تعد استثناءً، بل قاعدةً عامة.ومع ذلك، لم يتحوّل إلى نسخةٍ أخرى من هذا العالم، لم يتعلّم الخيانة، ولم يُجرب أن يُعيد الألم لغيره، بل اختار أن يحمل وجعه بصمت، كمن يحمل سرًا ثقيلًا لا يريد أن يُفسده بالشكوى. كان يكتب، لأن الكتابة كانت الشكل الوحيد الممكن للنجاة، يكتب لا ليُشفى، بل ليبقى، ليترك أثرًا يُثبت أنه كان هنا، أنه أحب، أنه تألم، أنه حاول أن يكون إنسانًا في زمنٍ يُعاقب الإنسانية.كان يمشي في المدن كغريبٍ دائم، لا ينتمي إلى شيء، ولا يُصدّق شيئًا، يرى الوجوه ولا يثق بها، يسمع الكلمات ولا يُراهن عليها، كأن التجربة قد نزعت منه تلك البراءة الأولى، وتركته عاريًا أمام حقيقةٍ قاسية: أن هذا العالم لا يُكافئ الصدق، ولا يحتفي بالنقاء، بل يبتلع كل ذلك بصمت.
وفي لياليه الطويلة، حين يهدأ كل شيء، كان يعود إليها، لا لأنها تستحق، بل لأن ذاكرته لم تستطع أن تتحرر، كان يتساءل: هل كانت تعرف ما تفعل؟ هل أدركت حجم الخراب الذي تركته فيه؟ أم أنها كانت، ببساطة، جزءًا من هذا العالم، تؤدي دورها دون أن تُفكر في النتائج؟لكن هذه الأسئلة، مع الوقت، فقدت أهميتها، لأن الإجابة لم تعد تُغيّر شيئًا، ولأن الألم، حين يبلغ ذروته، لا يعود بحاجةٍ إلى تفسير، بل إلى صمتٍ طويل، صمتٍ يشبه الاستسلام، أو ربما يشبه الحكمة.وحين بدأ يُفكر في الرحيل، لم يكن ذلك بدافع اليأس، بل بدافع التعب، تعب الروح التي حاولت كثيرًا، ولم تجد ما يُقنعها بالبقاء، كان يشعر أن الحياة، كما عاشها، قد استنفدت معناها، وأن الاستمرار ليس شجاعةً دائمًا، بل قد يكون شكلًا آخر من أشكال العناد.ومع ذلك، ظل هناك شيءٌ صغير، يكاد لا يُرى، يمنعه من الانطفاء الكامل، شيءٌ يشبه الأمل، أو ربما يشبه الوهم، فكرة أن كل هذا لم يكن عبثًا، وأن الألم، مهما كان قاسيًا، يحمل في داخله معنىً ما، حتى لو لم يُدركه الآن.وهكذا، بقي معلقًا بين عالمين، عالمٍ عاشه ولم يعد يؤمن به،وعالمٍ يتخيله ولا يعرف إن كان موجودًا، ينتظر، لا شيئًا محددًا، بل لحظةً ما، قد تأتي، وقد لا تأتي، لحظةً يُعاد فيها ترتيب كل شيء، أو يُطفأ فيها كل شيء.أما الآن، فهو يكتب، لأن الكتابة آخر ما تبقى له، يكتب هذه الحكاية، لا كقصةٍ عابرة، بل كشهادةٍ كاملة على زمنٍ خان كل شيء، وعلى رجلٍ أحب بصدق، فكان صدقه، في نهاية المطاف، أثقل من أن يُحتمل… وربما، في مكانٍ ما، في زمنٍ آخر، في حياةٍ أخرى، سيكون لهذا الصدق معنىً مختلف، وحينها فقط، قد لا يكون الوجع وطنًا، بل ذكرى بعيدة لرجلٍ مرّ من هنا، وترك قلبه شاهدًا على كل شيء.



#حامد_الضبياني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين ظلّ الذرّة وصخب البحر: الشرق الأوسط على حافة الاحتمال .
- العرب والنكوص التاريخي: بين الأصالة والابتداع.
- مضيق العالم المشتعل… حين تُعاد كتابة خرائط القوة على حافة مض ...
- بين يدٍ تصافح ويدٍ تنتقم .
- عدالةٌ تُقاس بالمِزاج… لا بالمِعيار.
- عليّ بن أبي طالب: لسانُ الحقّ وسيفُه… والجُرحُ الذي لم يندمل ...
- حينما اهتزّ الكون لخطى رجل: الحكاية التي لم تُكتب كاملة عن ع ...
- حين يتهجّى الموتُ اسمَه من فمِ اليورانيوم .
- وداعًا سليمان البكري… موت كاتبٍ… وخراب معنى.
- الجمهورية التي يحكمها الذيل .
- العراق على حافة الغد .
- عندما يُضرَب المعلّم… من يعلّم العراق؟
- الحقيقة تحت القصف: إعلام الحرب ومعركة السيطرة على العقول.
- ليلةُ القَدْر.
- وجعُ البلاد.
- جمهورية الضرطة السياسية… حين تتحول الكارثة في العراق إلى بشا ...
- لعبة النار: حين تكتب الجغرافيا مصيرها بلهيب السياسة .
- قناع الخيانة .
- جراح العراق .
- العقل العربي بين نار الفتنة ونداء الحكمة.


المزيد.....




- ما حكاية -الدقلة السعودية- التي ارتداها كريستيانو رونالدو في ...
- صلاة عيد الفطر في ساحات نيويورك تتحول إلى عرض أزياء مبهر
- رأي.. بارعة الأحمر تكتب: لبنان تحت النار.. توغّل إسرائيلي ول ...
- إيران تُهدد بزرع ألغام في الخليج بحال استهداف جزرها أو سواحل ...
- قانون -SAVE America-: معركة جديدة حول حق التصويت في الولايات ...
- اشتباكات في تيرانا خلال احتجاج للمعارضة
- الوكالة الدولية للطاقة تحذر من أسوأ أزمة منذ عقود وخسارة 11 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الحكومة السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- فرنسا: وفاة رئيس الوزراء السابق ليونيل جوسبان عن عمر ناهز 88 ...
- إيران تشن هجوما صاروخيا جديدا وواسعا على شمال ووسط إسرائيل


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - حامد الضبياني - نشيدُ الانكسار الأخير.